لماذا أخفق المستشرقون الألمان في إكمال الطريق إلى التعددية الثقافية؟

يتناول كتاب “الاستشراق الألماني في زمن الإمبراطورية”، للباحثة والمستشرقة الأميركية سوزان مارشاند (1961)، السياسات الثقافية والفكرية من جانب النخب الألمانية في هذا المجال؛ منذ أواخر القرن الثامن عشر وإلى عشرينيات القرن العشرين، في كل ما يتعلق بالشرق بالمعنى الواسع له. أي من الشرقين الأوسط والأدنى (شرق العهدين القديم والجديد)، فإلى الشرق الآسيوي البعيد؛ الهندي والياباني والصيني وآسيا الوسطى وتركستان، وإلى نواحٍ من أفريقيا استعمرها الألمان. والمدة الزمنية التي تغطيها الدراسة التي نشرت للمرة الأولى في العام 2009، ترى مارشاند أنها كانت حافلة بالطموحات العلمية والاستطلاعية، وبالمطامع الإمبراطورية أيضاً. وهذه الدراسة تؤرخ بالتفصيل لرؤى المستشرقين والباحثين وعلماء الآثار والمتاحف الألمان، للحضارات الشرقية / الآسيوية، في تلك الحقبة الزمنية التي تزيد على مئتي سنة. وتركز على التوجهات الرئيسة للاستطلاع العلمي الألماني لعوالم الشرق والمشرق (بما في ذلك الحضارة الإسلامية)، ما بين ستينيات القرن التاسع عشر وعشرينيات القرن العشرين. وقد ختمت مارشاند كتابها بالتأكيد على أن الحقبة التي يتناولها “تركت العديد من بصماتها على امتداد القرن العشرين”، معربة عن أملها في أن “يتجرد آخرون لتكملة هذه الرواية وصولاً إلى يومنا الحاضر”. 


ترجمة هذا الكتاب الضخم إلى اللغة العربية (المركز القومي للترجمة)، تولَّاها المفكر اللبناني رضوان السيد، الذي أشار في تقديمه لهذا العمل إلى أن “قاعدة هذه المحاولة الجديدة لدراسة عوامل ودوافع التفكير بالثقافات الشرقية لدى الألمان، هي إنسانويات القرن الثامن عشر في جانبيها الكلاسيكي اليوناني/ الروماني والرومانسي، الذي تبلورت تأثيراته في القرن الثامن عشر. وهناك عوامل كانت هي الأبرز في الاندفاع نحو الشرق: العهدان القديم والجديد والمنهج التاريخي في دراستهما ودراسة الثقافات الأخرى المجاورة أو البعيدة، وأيضا الصراع على الشرق ومستعمراته بين القوى الأوروبية وهو الصراع الذي دخلته ألمانيا متأخرة”.

ويقول رضوان السيد: “بشأن هذه الدراسة فإنني منذ قرأتها عام 2010 أردتُ أن أترجمها لكنني تأخرت كثيراً في ذلك، لطولها وللصعوبات المحيطة بتعابيرها ومصطلحاتها والمناهج المركبة التي استخدمتها في المقاربة والمعالجة”.

يتكون الكتاب من مقدمة للمؤلفة تسبقها مقدمة المترجم، وخاتمة تلي عشرة فصول، منها سبعة في الجزء الأول الذي جاء في أكثر من 700 صفحة من القطع الكبير: “الاستشراق في المديات الطويلة”، “المستشرقون أيام الافتتان بالحضارة الهيلينية”، “مستشرقون متوحدون”، “نهضة الاستشراق الثانية”، “غضب استشراقي”، “نحو مسيحية شرقية”، “الانفعالات والإثنيات”. أما الجزء الثاني الذي جاء في 339 صفحة، فاشتمل على الفصول من الثامن إلى العاشر: “الاستشراق في عصر الإمبريالية”، “تأويل الفن الشرقي”، و”المستشرقون الآخرون”. وقد جاء في الخاتمة أنه من ناحية، ساد اعتقاد واسع لدى الباحثين الألمان مع حلول عام 1920 بأن فهم العقل أو العقول الشرقية، هو أمر ضروري للغرب. وهذا عائد لسببين: ظهور نصوص وقطع أثرية آسيوية تشير بوضوح إلى مساهمات آسيا المتعددة في تطور الغرب الثقافي؛ وتشابك المسارات التاريخية الحديثة للشرق والغرب لدرجة شديدة، وكارثية في ما يخص الأخير. من ناحية أخرى، لا بد من ملاحظة التشاؤم الذي يبديه بيغر حول قدرة الاستشراق على إقناع الأوروبيين بدور الثقافات الآسيوية في تطورهم الحضاري، وبالتالي زعزعة إيمانهم المطلق بالجذور الكلاسيكية لثقافتهم.

علم الإسلام وتاريخه

ويلاحظ رضوان السيد أن المؤلفة درست بعناية أعمال كبار المستشرقين (مثل غولدزيهر وفلهاوزن وبيكر) في بناء علم الإسلام وتاريخه الثقافي والحضاري. ورأى السيد أن ذلك لا يخفي أمراً آخر كان أو ظل تأسيسياً: بسبب المنهج الفيلولوجي / التاريخاني والتأثيرات الدينية؛ فإن الدراسات القرآنية بالذات تفرعت على دراسات العهدين القديم والجديد. ولذلك – يقول السيد – فإن ربط الفيلولوجيا بالتاريخ تأخر كثيراً في دراسات الإسلام. ولاحظ السيد كذلك أن دراسات الشرق البعيد لم تعاني مما عانت منه دراسات الإسلام؛ فعوالم الديانات الآسيوية لا علاقة لها بالمسيحية أو اليهودية، وهي لا تشكل منافسة للدينين الإبراهيميين، بخلاف القرآن والإسلام. لكن كانت هناك عوامل أخرى مؤثرة سلباً عليها وهي العوامل الإثنية. فالإيرانيون والهنود (بخاصة الهنود) هم من أصول آرية، بخلاف اليابانيين والصينيين والشعوب التركية. ولذلك  ظهر بين العلماء حتى الإنسانويين منهم (مثل شليغل وهردر ومدرستهما) إيثار للهنود وخاصة بعد ترجمة نصوصهم أو بعضها في القرن الثامن عشر ومطالع القرن التاسع عشر.

ونستطيع القول هنا أن اقتراب رضوان السيد من عالم الاستشراق الألماني قد ساعده كثيرا في ترجمة هذا العمل المهم إلى اللغة العربية. فقد ذهب في مطلع سبعينيات القرن الماضي إلى جامعة توبنغن لهذا الغرض، على الرغم من أن أستاذه في جامعة الأزهر محمد البهي، نهاه وزملاءه عن الدراسة لدى المستشرقين. ويقول السيد في هذا السياق: “لقد أراد كل منا أن يكون مثل عبد الرحمن بدوي، الذي كان فيلسوفاً وعالماً بالتراث الفلسفي العربي، ومترجماً لدراسات المستشرقين الألمان وغيرهم، متضلعاً في عدة ثقافات ولغات، لكن أياً منا استطاع تجاوز التعلم لدى المستشرقين بالمعنى الضيق (الدراسات العربية والإسلامية)، وما كانت متابعة بدوي ممكنة لا في الزمان ولا في المكان ولا في الآفاق”. وعموماً فقد أنجز السيد دراسة من حصيلة ما تعلمه وانطلاقاً من بحوث معمقة، وذلك تحت عنوان “المستشرقون الألمان: النشوء والاستتباب والمصائر”. ومع ذلك فإنه يقر بأنه ما عرف دراسة عن المستشرقين والاستشراق بعمق دراسة سوزان مارشاند، معتبراً أنها أحد استطلاعات تطور الفكر في أوروبا في القرن التاسع عشر، أو أوروبا والشرق، أو علوم الشرق، وكيف تطورت عبر قرن ونيف باعتبارها تفرعات على علوم الدين والإنسان والمجتمع.

جذور أزمة راهنة

ترى المؤلفة أن الدراسات حول الاستشراق في حقبة فايمار والحقبة النازية إذا كانت شحيحة، فإن الدراسات حول الاستشراق الألماني بعد 1945، أكثر ندرة. كما لا توجد دراسات نقدية لتاريخ الاستشراق، ما عدا كتابات بعض دارسي العهد القديم. ومن المحتمل أن الأعداد الضخمة من المهاجرين أضرت كثيراً بالملكات النقدية، إضافة إلى التشويه الهائل الذي لحق بالتقليد الرومنطيقي على أيدي العنصرية. والأمران  هذان جعلا من الألسنيات الوضعية الحقل البحثي الوحيد بعد الحرب. كما أن رغبة ألمانيا الغربية في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي الناشئ، أدت إلى إبراز صلات ألمانيا بالحضارة الأوروبية. وبالتالي الاندراج في رؤية للعالم تشدد على الحضارة الغربية؛ حيث تهيمن العناصر الثلاثة، الديمقراطية اليونانية وفردية عصر النهضة والرأسمالية الغربية، على رؤية منغلقة لتاريخ الغرب. وترى مارشاند أن أي محاولة لفهم جدي لتاريخ الاستشراق الألماني بعد عام 1945، لا بد أن تأخذ في الاعتبار دور المعتقدات والميول والعصبيات الدينية. وتضيف أنّ لا جدوى من نكران خسارة ألمانيا موقعها المتقدم في الدراسات الشرقية، ربما إلى الأبد. وهذا لا يعود فقط إلى دور النازية، من دون إغفال مسؤولية النظام النازي عن تدمير حيوات عديدة والهدم الكامل للمؤسسات البحثية. فلفهم ذلك تتوجب العودة إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى عندما بدأت ألمانيا بخسارة موقعها الاستشراقي المميز، نتيجة تضافر العوامل الآتية: تأخرها في تبني المنظور المقارن؛ تعصبها للعالم القديم على حساب العالم الحديث، القلة النسبية لنقاط وجودها في آسيا؛ ولكونها تأخرت كثيراً في اكتشاف ثقافات شرق آسيا. واستمرت الخسارة خلال سنوات الحرب، حيث حلت الحملات الدعائية محل البحث العلمي. وامتدت أيضاً إلى فترة ما بعد الحرب مباشرة عندما خسرت ألمانيا مستعمراتها؛ وانهارت خليفتها الإمبراطورية العثمانية، واندثر نظام الرعاية والدعم؛ وأخذت النخب المحلية تنظر بعين الريبة إلى “أصدقائهم” الأوروبيين.

إغفال التعددية الثقافية

وتضيف مارشاند أنه لو قيض لحقبة فايمار أن تستمر، كان من الممكن للاستشراق الألماني أن يسلك طريق ما نسميه اليوم “التعددية الثقافية”. فهو كان يحتوي على عناصر متعددة، مكونة لتلك النظرة إلى العالم. فقد تمخضت آراء ليتمان وبيكر، والتيار الفكري الذي أسمته مارشاند “الاستشراق الغاضب” عن فهم عميق للأحادية الأوروبية المسيطرة على كتابة التاريخ التقليدية، وعدم المواءمة بين النماذج والمعايير الأوروبية والفهم الحقيقي لثقافات المشرق.

/العربية/

اترك رد إلغاء الرد