المعرفة تستحيل تهمةً في رواية علي قطب

في رواية “كلّ ما أعرف” للكاتب المصري علي قطب (دار العين، القاهرة)، ثمّة غلاف دالّ يشير إلى تشظي الذات الإنسانية وتوزعها، ويصبح الغلاف هنا علامة على حالة التوزع التي تصيب الشخوص، حيث ثمة رأس مسكون بالمسارات، والتفاصيل المختلفة. رأس قد يحيلك إلى مأزق الإنسان الفرد في مواجهة عالم معقد ومتشابك، وربما يشير أيضاً إلى إحدى الشخوص الإشكاليين في رواية بوليفونية، تلعب على تعدد الأصوات، وتقاطعها. هذا مدخل رئيسي للنص الذي يدور في فضاءات مركبة على الرغم من بساطته المراوغة.


بنية المعرفة

يستدعي العنوان تاريخاً من المقولات التي تختص بفكرة المعرفة، وتنوعها، والمعرفة ليست كتلة صماء، لكنها حاوية مسارات مختلفة، والاستدعاء هنا ليس قسرياً، بل يعتمد على شواهد نصية، حيث تعاين الكتابة (فكرة المعرفة) عبر أكثر من مقطع سردي داخلها، وتصبح شاغلة للسارد الرئيسي القابض على زمام الحكي في الفصل السردي الأول من الرواية (أحمد علي) البطل الإشكالي، والحاضر دوماً في متن النص.



تصير المعرفة لعنة، ألماً يؤرق صاحبها: “المعرفة، المعرفة يا صديقي تصبح في مثل هذه الأوقات تهمة يجب نفيها، ألمح طرفة عينيك يا محفوظ، يبدو عليك عدم التصديق فما سبيلي لإقناعك؟ فمنذ عرفت حبي للكتابة وأنت تعتقد أن لديّ من المعرفة ما يكفيني. لو كنت أعرف حقاً، ما كنت صدمت قبل أيام حين اكتشفت ذلك فعلاً. أعلم أنك من أثبت لي الخيانة لكن الشكوك ساورتني منذ فترة. تذكر حين هاتفتك وطلبت مقابلتك فوراً كي نتصرف معها، حينها ألقيت همومي كلها فوق كاهلك، وكعادتك يا محفوظ استقبلتها بصدر رحب، وعدتني بمعرفة الحقيقة الكاملة خلال أيام، لم تخدعني فقد وصلت للحقيقة فعلاً، وأخبرتني بعدها بأيام”. (ص 30).

لم تعد المعرفة قوة في عرف المهزومين، الباحثين عن سبيل للنجاة الكاذبة ولو على حساب أي شيء، مثلما نرى في حال أحمد علي الذي يتواطأ على ذاته، ولا يكتفي بتواطؤ الآخرين ضده، والأبطال هنا أبناء للضرورة الحياتية المعاشة، يتوزعون على صفحات الرواية ومتنها الكمي البالغ حوالي 140 صفحة، تقسم على نحو سباعي، واسطة العقد فيها (غدير) المرأة التي خذلها الجميع، وخانت زوجها (أحمد علي) مادياً مثلما ورطها هو فيها، دافعاً بالظروف والملابسات لخلق المأساة، لنصبح أمام تورط جماعي لشخوص شائهين، وتواطؤ يتجاوز الصمت إلى الفعل

رواة متعددون

تبدأ الرواية بـ “أحمد علي” وتنتهي به أيضاً، وهناك فصلان لمحفوظ، وفصلان لياسر الغنام وبينهم جميعاً “غدير”، وكل راوٍ يحكي من منظوره، ويقدم تفسيراً لما جرى، فنجد اعترافاً قاتلاً يبوح به أحمد علي بشأن هزيمته وانصياعه لمحفوط واختباره لزوجته (غدير)، ووضعها في طريق صديقه النهم للنساء (ياسر الغنام)، فتسقط في وحل الخيانة، وقد نرى استعادة لخلفية اجتماعية، عبر تكنيك الفلاش باك الذي يحضر في حالة غدير وهي تروي جذور مأساتها، والبنية الاجتماعية المهترئة التي أحاطت بها منذ كانت صغيرة، والتي اكتملت دائرتها بوجودها في حياة أحمد علي، الذي تقدمه الرواية بوصفه كاتباً قرر أن يمارس لعباً مع الحياة، مثل النصوص التي يكتبها.


إن فكرة اللعبة الروائية هنا، تكنيك أصيل داخل الكتابة، ينهض على تقاطع المساحات بين الواقعي والمتخيل في بنية متجانسة. وتحمل الفصول أسماء الشخوص، بوصفهم الرواة المتعددين للنص، ويبدو الفصل الأول أحمد علي أكثر الفصول بذلاً للجهد التقني على مستوى الصيغ الأسلوبية وتكنيكات السرد، وفيه نرى توجيه الخطاب السردي إلى مروي له محدد أحياناً، مثل (محفوظ): “لدي قناعة بوجود ما يسمى بلحظات الكشف، الكشف يا محفوظ وليس الاكتشاف، بمفردي لن أكتشف شيئاً، دائماً أحتاج من ينير لي بصيرتي لأمشي في طريق سلكه غيري من قبل، أحب الخيارات التي استخدمها الآخرون قبلي؛ لأوفر على نفسي المفاجآت التي لاحقتني رغماً عني. لم أكن أتوقع يوماً أن تنقلب حياتي رأساً على عقب، أن أكون ذلك الزوج المخدوع الذي استباح آخرون زوجته، تلك الحوادث التي قرأتها فقط للتسلية على صفحات الجرائد أصبحت جزءاً منها، أمهلني ثانية واحدة لأستعيد ما قلت. “آخرون”، يبدو أنني أتوقع أن يكون هناك أكثر من ياسر في حياة غدير، بشكل عام أتوقع أن من تخون مرة يمكنها أن تخون مئة مرة”. ( ص33).

تيمة الخيانة

وعلى الرغم من الموضوعة الجاهزة التي تنطلق منها الرواية، حيث تطل تيمة الخيانة بمستوياتها المتعددة، لنصبح أمام عالم من الخيانات المتبادلة بين شخوص مأزومين باستمرار، فإن التعاطي الجمالي المغاير، واستخدام تكنيكات مختلفة، والاستفادة من الانفتاح على الفنون البصرية وبخاصة السينما قد أفاد النص كثيراً من الوقوع في فخ الاجترار النمطي.


تتكامل الفصول السردية جميعها، وتعمل على تشكيل الرؤية السردية متعددة الجوانب بعيني الشخوص الأربعة المركزيين ( علي/ محفوظ/ ياسر/ غدير). أما الأشخاص الهامشيون فهم جزء أصيل من بنية الحكاية الرئيسية في كل فصل، وحضورهم أشبه بالترصيع السردي، من قبيل وجود (سلوى) في فصل (ياسر الغنام). و(نجوان) في فصل (أحمد محفوظ).


تتعدد النواتج السردية للشخصيات في كل فصل، ويبرز دورها في دفع مسارات الحدث الروائي إلى فضاءات أرحب، وبما يسهم في تنامي السرد، على الرغم من تثبيت عدسة الكاميرا في كثير من الأحيان حول محاور الفصول السبعة الممثلة في الشخصيات الفاعلة داخلها، وعلاقاتهم المعقدة.

وتستعير الرواية بعضاً من آليات كتابة السيناريو في بنيتها الروائية، وتقدم ما يعرف بالصورة السردية في مواضع متعددة داخلها.

تكنيكات سردية

فضلاً عن تعدد وضعيات الرواة داخل النص، وانطلاقهم من منظورات مختلفة، فإن ثمة اتكاء على آلية المَونولوج الداخلي داخل الفصول السبعة، والتدفق الحكائي المعتمد على أبنية يفضي بعضها إلى بعض، وتبدو الذوات السردية مهشمة في مرايا الزمن اللاهث الذي يسحق أبطاله، ويجعلهم يدورون في حلقات مفرغة، وتعد النهايات المصاحبة للفصول مأساوية الطابع في جحيم أرضي يبنيه (أحمد علي) داخل لعبته الروائية (الرواية داخل الرواية)، وعبر مأزق وجودي لشخوص تائهين وممزقين داخل النص.

ويبدو الدكتور رافي (المعلم الأول لأحمد علي) شريكاً في إنتاج اللعبة الروائية عبر تصوراته المتناثرة عن الفن والكتابة داخل السرد.
لقد احتاج النص إلى توسيع المدى السردي، وتكريس التماهي بين لعبة (أحمد علي) الفنية، ولعبة السارد الرئيسي ذاته، وتعميق نقاط التقاطع بينهما، فضلاً عن كسر نمطية المصير المأساوي للشخوص، والذي يبدو مثل قدر وجودي لا يمكن الفكاك منه.


وبعد… بعد ثلاث روايات: “أنثى موازية/ كانو me/ الانتظار”، تأتي رواية “كل ما أعرف” مازجة بين الوعي بماهية النوع ومحاولة الخروج عليه عبر تفعيل آليات التجريب الروائي، هنا يتقدم الروائي الشاب علي قطب بثبات نحو الوقوف على عتبات مشروع سردي يخصه، محمولاً على موهبة حقيقية، ووعي بطرائق الكتابة، وصيغها المتنوعة.

/النهار/

اترك رد إلغاء الرد