مسرحية “ليسيستراتا” نزعة نسوية مبكرة من الهزلي الإغريقي الكبير

/ابراهيم العريس- اندبندنت عربية/


لم تكن مسرحية “ليسيستراتا” للكاتب الهزلي الإغريقي أريستوفان مسرحيته الوحيدة التي وصلتنا، وإن كانت مسرحياته العديدة التي نعرفها المتن المسرحي الوحيد تقريباً الذي بقي على الرغم من مرور آلاف السنين، بعكس ما حدث بالنسبة إلى المسرح التراجيدي الإغريقي الذي وصلنا من إنتاجاته الكبيرة أعمال باتت خالدة لما لا يقل عن ثلاثة كتاب كبار مؤسسين هم “إسخيلوس، وسوفوكليس ويوريبيدس”، أثرت الكتابة المسرحية العالمية والدراسات السياسية التاريخية بل حتى دراسات علم النفس والتحليل النفسي.

وعلى الرغم من “فرادة” أريستوفان في هذا المجال فلا شك في أن كتاباته تمكنت من أن تقوم بالمهمة وتعكس نوعاً مسرحياً لا يقل بأي حال تسييساً وارتباطاً بالقضايا الاجتماعية من المسرح التراجيدي، بل ربما يتميز عنه بانغماسه حتى في ألاعيب نقد جمالي وفلسفي تجد خير تعبير عنها في مسرحية أريستوفان نفسه “السحب” التي ينسف فيها “أسطورة” سقراط، مبتذلاً أفكار وسيرة أبي الفلسفة الإنسانية هذا بشكل مثير للغضب حقاً، ولكن متى يتعين على المسرح الهزلي أن يستنكف عن إثارة الغضب؟

نسوية مبكرة جداً

الغضب نفسه نعرف أن أريستوفان قد استثاره في زمنه، وربما في أزمنة تالية، في أوساط النساء الأثينيات من خلال تعامله الفظ مع قضايا النساء والسخرية منهن، في عدد من مسرحياته على أي حال، ولكن ليس في كلها. فهو، بعد كل شيء، وفي واحدة من مسرحياته ستكون أقواها وأشهرها وستعيش أكثر منها جميعاً، عرف كيف يقدم للمرأة، كل امرأة، تحية وصورة ندر أن قدمها المسرح لها.

ونتحدث هنا تحديداً عن “ليسيستراتا” تلك المسرحية التي كثيراً ما حوكيت واقتبست وسرقت من دون ذكر المصدر طوال آلاف السنين الماضية، ولدى الثقافات كافة وعندنا في بلداننا العربية، في مصر مرات عدة وحتى في لبنان حين اتخذت سينمائية لبنانية طموحة من موضوعها حبكة لفيلم عنونته “… وهلق لوين” تحدثت فيه، في نقل مباشر أكثر من اللازم مع إغفال ذكر المصدر، عن دور النساء في وضع حد للحرب الأهلية في لبنان بإضراب شهير كان بدعة في زمن الهزلي اليوناني الكبير، فأضحى مثيراً للابتسام لا أكثر في الزمن اللبناني الراهن، لكن هذا ليس موضوعنا هنا بالطبع.

موضوعنا هو ذلك العمل المسرحي الكبير الذي يبقى خالداً على مر الزمن ويقدم خير مثال على الكيفية التي يمكن بها للمسرح أن يتعاطى مع شؤون الحياة والمجتمع ويستجيب للطموح الذي يخالج المرأة التواقة دائماً إلى السلام بالتعارض مع توق الرجال إلى الحرب والقتال.

حكاية امرأة استثنائية

بالتالي فإن “ليسيستراتا” كوميديا يونانية قديمة من كتابة أريستوفان، تم عرضها في الأصل وربما للمرة الأولى في أثينا الكلاسيكية في عام 411 قبل الميلاد. وتتمحور أساساً حول عمل “ثوري” تقوم به امرأة استثنائية حين تقرر يوماً التصدي لإنهاء الحروب البيلوبونيسية بين دول المدن اليونانية. وهي حروب يخوضها الرجال باسم المدن جميعها من دون أن يعبأوا برأي المواطنين والمواطنات الآخرين. في

وجه هؤلاء إذاً تقرر النساء بقيادة واحدة من أشجعهن وأحكمهن هي ليسيستراتا إيجاد طريقة فعالة لمنع الرجال من الاسترسال في خوض لعبة الحرب القذرة، ولا سيما بعد أن تخفق كل المحاولات والطرق الأخرى. وهكذا يتفتق ذهن تلك المرأة وقد أحاطت نفسها بصديقات وجارات مقربات إليها ثم بنساء أتين من مدن إغريقية عديدة أخرى يعانين ما تعانيه الأثينيات ولا يرضين عن قتال مدمر يخوضه رجالهن بين بعضهم بعضاً وكأنهم يلعبون، فكيف يمكن للنساء منع ذلك كله؟


ضد استراحة المحارب

ببساطة، بما أن الرجال يعودون في استراحات حربية من “الجبهات” تواقين لاستعراض ما قاموا به من بطولات في القتال وشاعرين بالشوق للنساء، “ما رأيكن يا صديقاتي في أن نمتنع عن إقامة العلاقات الجنسية معهم فنحرمهم من تلك المتعة ونجعلهم يدفعون غالياً ثمن ما يرتكبون؟”. أول الأمر تبدو الفكرة جنونية ومضحكة. يوافق بعض النساء على مضض، وترفض أخريات الفكرة من أساسها وتشعر نساء بالحيرة.

كيف يمكن حرمان جميع رجال الأرض من ممارسة الجنس، وهو الشيء الوحيد الذي تعرف النساء أن الرجال يرغبون فيه حقاً وكيف؟ بفصاحتها وقوة منطقها وعزمها الحاسم على وقف لعبة الحرب ولو بقيت وحيدة في الميدان، وعبر فصول المسرحية الحافلة بالمواقف والحوارات الهزلية التي لا تزال حتى اليوم مثالاً يحتذى في كتابة الحوارات ونقل الجدال المنطقي إلى خشبة المسرح، ستقنع ليسيستراتا نساء المدن المتحاربة بحجب الامتيازات الجنسية عن أزواجهن وعشاقهن كوسيلة لإجبار الرجال على التفاوض من أجل السلام – وهي استراتيجية، تؤجج المعركة بين الجنسين، ولكن قبل ذلك، وقبل عودة الرجال المتحاربين لعيش استراحتهم والاستمتاع بحكاياتهم، بين ليسيستراتا وقائد الشرطة القضائية الذي يتصدى لمحاولتهن، التي ستنجح في نهاية الأمر، احتلال الأكروبول في أعالي أثينا والاستيلاء على خزانة الدولة كنوع آخر من الضغط وفرض الأمر الواقع على الرجال.

والحقيقة أن الحوارات التي تدور، صاخبة أحياناً، عميقة في أحيان أخرى، بين قائدة “الثورة النسائية” وقائد العسكر، ستبقى طوال الزمن نموذجاً مدهشاً في المنطق الإقناعي ومجابهة الحجة بالأقوى منها من الطرفين.

أريستوفان صاحب كوميديا حديثة قبل الأوان (ويكيبيديا)

اترك رد إلغاء الرد