إدمون ملحم باحثاً في الرواقية:

القدوة إكْسِيرُ الحياة الراقية

في إنتاجٍ فكري جديد، أضاف الدكتور إدمون ملحم إلى مؤلفاته سِفْراً جديداً صدر عن دار أبعاد – بيروت قبل أيام، في غلافٍ أنيق، مع مقدمة للدكتور علي حمية الذي ركّزَ على ريادة السوريين في الإنشاء والإبداع والعمران، وهي ريادة محسومة في رأيه برغم النزعة غير المنصفة لمؤرخين كبار حاولوا طمسها. وقد استرعى انتباهي، ضمن كلمات التقدير التي أدرجَها في مطلع الكتاب، وفاءُ المؤلف في الشكر الموصول للمثقف الكبير الدكتور حيدر حاج إسماعيل “الذي عززَ في نفسي الاهتمام بالفلسفة الرواقية من خلال كتاباته وشروحاته الواضحة عن فيلسوف الرواقية…”.

واضحٌ لكل متابع أن مؤسس الرواقية، زينون “المَشّاء”، عاش في القرن الثالث قبل الميلاد وقد استمرت مدرسته حوالى خمسة قرون أي حتى القرن الثاني للميلاد. وكان زينون ابن تاجر من صور، لكنه وُلد على جزيرة كيتيوم الفينيقية في قبرص، كما أسس مذهبَه الفلسفيّ-الأخلاقي في أثينا حيث توفيَ في أواخر عقده العاشر، وحيث كُرِّمَ بتاجٍ من ذهب لا يكلِّل إلا هامات الملوك. لكننا، من حيث الموضوعية العِلمية، مدعوُّون إلى البحث عن الإسهامات الفكرية للعبقريّ الفذ زينون الذي اتّبع طريقة أرسطو متمشياً في رُواقٍ يحاور فيه تلاميذه. فتلك الإسهامات، التي ضاع معظمها وبقي نَثيرُها فَحَسْبُ، هي المعيار في الانحياز إلى مبدِعها قبل أصله وجنسيته ولون بشرته… وقد عبّر الرائد النهضوي جبران خليل جبران عن واقع التثاقف بين الأمم والأفراد بالقول: “نحن، جميعاً، وَرَثَةُ التراث الإنساني العام”. فكأنه يقول : ليس من مجتمعٍ أو من فردٍ في الموروث البشري هو نسيج كينونةٍ مغلقة لأن أحداً لم يأتِ من الفراغ .

لقد أشار المؤلف، في فهرسه الجامع، إلى أهمية التعليم بالقدوة في الفكر الرواقي الذي رمى إلى الحياة الأجدى والأرقى. كما أشار إلى مبادئ الفضيلة والسعادة والمساواة، وأهمية الشعور بالواجب وامتلاك الإرادة في السيطرة على الانفعالات وفي الاحتكام إلى العقلنة. لذلك كانت حياة الرواقيين، الذين نبغ منهم نَفَر خالد في تراث الفكر الإنساني، ترجمةً لمبادئهم في الإعتدال، وتغليب الخير، وفي عدم الأخذ بالإغراءات المادية التي وصف زينون سلبياتها بالقول: “محبة المال وَتَدُ الشر لأن سائر الآفات تتعلق بها”. أما الإنتحار فواردٌ فقط في حالة العذاب، حفظاً لكرامة الحكيم الرواقي ومبادئه باعتبار ذلك الإجراء القسريّ خروجاً لائقاً من الحياة وباباً للحرية والسعادة الأبدية.

يعتبر ملحم أن الإخلاص للواجب هو أمر مقدّس وفِعل وجودي أخلاقي عند الرواقيين. ويميل إلى الجزم أن زينون هو “أوّلُ مَنْ أدخَلَ كلمة الواجب إلى الفكر الإغريقي على ما يقال، كما أنه أوّلُ من دلّ على أهمية الإرادة ومحلها الفلسفي، وهو من هذه الناحية أبٌ لكل الفلسفات التي عزّزَتْ شأن الإرادة” (ص122). وبهذه الإرادة يمكن تحويل كل شيء إلى خير بفعل تلك الإرادة التي تصنع السعادة كما يجزم أبكتيتوس.

يقول الدكتور ملحم: “آمن زينون بترقية الفكر والعقل، أسمى ما أحرزه الإنسان”. ويضيف أن الحكمة هي السبيل إلى الحياة الفاضلة، لذلك ردَّدَ زينون في أحاديثه الأخيرة المأثورة: “هكذا قال العقل”. لكنني، في القراءة النقدية، غير واثق من صحة مقولةٍ تبناها المؤلف حين قال: “إنّ الرواقية الزينونية كانت بمناقبيتها الرفيعة نقضاً للفكر اليوناني الاجتماعي-الأخلاقي الذي حصر اهتمامه في نطاق المدينة وأسوارها”(ص76-77) !!! وقد انضمّ المؤلف إلى الأكاديميين الذين لا يجدون للإسكندر المقدوني إنجازاً، وبناءً عليه لا يُطْلقون عليه سوى صفة “البربري” (ص158)، مع أن البربر أقوام ذوو حضارة راسخة خصوصاً في شمالي إفريقيا،ومع أن الإسكندر المقدوني الإغريقي تتلمذَ على مؤسس عِلم المنطق أرسطو، الذي ما زالت مفاهيمه تُدَرَّس حتى اليوم في أعرق جامعات العالَم. وقد لفتني، في قراءاتي عن الإسكندر الذي قضى في مطلع شبابه، أنه، في موقف يدلّ على الدهاء، كان بعد انتصاره في الحروب التي خاضها، يستعرض جيشه ولا ينظر لغير ضباطه وجنوده متجاهلاً الناس الذين كانوا يتفرجون في الشوارع وعلى الشرفات. وعندما سُئلَ مرةً عن سبب ذلك أجاب: “هؤلاء صنعوا نصري فَلَهُمْ عيوني. أما أولئك المُلَوّحون على الشرفات فلربما كادوا يُلوّحون لغيري”.

إنني من القائلين بأن الفلسفة اليونانية البالغة الثراء (من دون حصرها بالمثلث الأخلاقي: سقراط وأفلاطون وأرسطو) لا يمكن اختزالها بفكرة المدينة ولا بالتقسيمات الإدارية التي يعزوها بعضهم إلى الطبيعة الجبلية وفواصلها. فالمخزون الفلسفي الإغريقي العريق، أي البناء الفكري العظيم الذي نهل منه معظمُ البشر، وخصوصاً الدول المصنَّفة في العالم الأول، لا يمكن تسخيفه أو تجفيفه بنعرة مَرَضيّة يريد باحثون، أعماهم التعصب، أن يعمّموا مناخهم النفسي المُعَبأ بهلوساتها. وأنا أًبَرِّئ الصديق الدكتور ملحم من خلفيتهم بدليل إشارته غير مَرة إلى المساحة الحضارية التي يحتلها الإغريق عبْرَ تاريخهم الحافل بالمنارات،من دون أن يعني ذلك عدم انحيازه الإعتدادي الواضح إلى سورية. وأَغلبُ الظن أنه، كأي مثقف ذي ولاء لبلاده وعوامل نهوضها، مأخوذ بقول العبقري أنطون سعاده عن محاولات تشويه التاريخ الحضاري القومي: “إنّ أعظم ما أُصبنا به هو أننا نسينا تاريخنا، وصرنا حائرين كاليتيم الذي يجهل أباه وأمه”. وفي شروحه للمبادئ القومية الاجتماعية، يؤكد سعاده على أن حركة النهضة تستمد روحها من وهج المنائر المُشِعة في تراث الأمة، لافتاً إلى “ما خَلّده سوريون عظام” جاء اسم زينون في صدارتهم.

وتقتضي الموضوعيةُ الإقرارَ بأن الدكتور ملحم أَحكَمَ الربط بين قِيَم رواقية سامية من جهة، وبين قِيَم الحق والخير والجمال التي أطْلقها سعادة من جهة أخرى، أي بين التقاطعات المعيارية لكل الفلسفتيْن: الرواقية، والقومية الاجتماعية. لكنّ ثمة فوارقَ يستحيل إنكارها. فالرواقية نفسها، على لسان زينون وسِنِكا وآخَرين، اعتبرتْ أن الإنسان لم يولد لأي جزء من هذا الكون، فالعالم كله وطنه. والرواقية فتحتْ باب الحياة الفاضلة على مصراعيه ليدخله الناس جميعاً كما يؤكد المؤلف نفسه. وبناءً على ذلك نسأل: ماذا كان سيتغير لو لم تكن سورية هي الموطن الأصلي لزينون بل اليونان مثلاً؟ هل كان سيبدّل منطلقاته وتعاليمه وأخلاقه؟! صحيح أن الرواقيين آمنوا بالحرية والمساواة،لكنْ هل يكفي ملف الرّق والعبودية دافعاً لتبنّيهم وحدةَ الجنس البشري؟ ألمْ يعتبر ماركوس أوريليوس، وهو الرواقي النموذجي في السياسة والفكر، أن الناس مدعُوُّون إلى التعامل مع بعضهم كإخوان لأن ما يربطهم هو شرف الانتساب إلى عقل واحد، إضافة إلى كونهم يشكّلون معاً مملكة العقل؟ من دون أنْ يعني ذلك أنّ الرواقيين لم يصنِفوا المُثُل الأفلاطونية تجريداتٍ أو افتراضات ذهنية، ولا أنّهم لم يؤمنوا بوحدة الوجود كما فعل بعدهم بقرون شيخُ المتصوفين إبن عربي ثم سبينوزا.

مِنْ زينون إلى ديكارت، ومن ابن خلدون إلى هيغل، ومن كانْط إلى سعاده: الإدراكات هي جوهر الحياة الإنسانية. وهذه المُسَلّمة الفكرية، أي موضوع العقلِ المُدرِك غير المنفصِم عن الأخلاق، هو موضوع حاضر بقوة في التراث الرواقي. وقد عبّرَ سعاده بوضوح عن وحدة الموضوع العقلاني –المناقبي بالتشديد الدائم على “العقلية الأخلاقية الجديدة التي نؤسسها لحياتنا بمبادئنا”… هذه إحدى القفزات التمدُّنية الكبرى في التاريخ الإنساني، حيث العقل هو القَيْدوم لا الغريزة، وحيث الفكر هو البوصلة الحضارية في الإنسان لا النَّزوات الهدّامة التي تهبط به إلى الوهدة الحيوانية.

من المأثورات الرواقية أن الجاهل لا يختلف عن البهيمة سوى في الشكل، وأن العقل إذا كان قابلاً للتأثر فلا بد من إنقاذه من فوضى الإزدحام، وأن “الفلسفة بستان، والمنطق سُورُه وسياجه الحامي، والطبيعة شجره، والأخلاق ثمره”. وقد أصاب المؤلف غَوْراً حين أضاء على أن الفلسفة عند الرواقيين لم تكن دائرة معارف بمقدار ما كانت نهْجَ حياة. هكذا عَلّموا بالقدوة قبل المواعظ، وهكذا بقيتْ فلسفتهم حية حتى اليوم بدليل نشوء تيار معاصر في العالم الغربي، مبهورٍ بقِيَمهم ومجدِّدٍ لفعلها الإيجابي الصائن للسلام الداخلي والهناء الكياني.

ولم يُغفِلْ ملحم، في كتابه الجديد، إنسكابات مدنية أغْنتِ الكنز البشري الفلسفي، كالتطور الذي أحدثه السفسطائيون اليونانيون في طرح أسئلة الإنسان والكون والماهية. كما تطرَّق إلى دور سقراط التأسيسي، رغمَ تواضُع المُعَلّم الأثينيّ الشهيد، في زرع فضيلة المعرفة الأصيلة، ولم يستثنِ أفلاطون، تلميذ سقراط الأوفى، الذي آمَنَ بأن إصلاح الدولة من فسادها وطغيانها مشروط بإصلاح الإنسان أولاً، أي بالتربية على المفاهيم الصحيحة والفضائل. وفي مواكب الفلاسفة الرواقيين، عَرَضَ المؤلِّف لبعض منهم كشيشرون وأوريليوس وسِنِكا وأبكتيتوس، المعروفين بمباحثهم الأخلاقية التي أثّرَتْ في تكوين النهضات الأوروبية التي بدأتْ في إيطاليا وألمانيا قبل انتقالها إلى فرنسا.

ولم ينسَ الباحث أن كليانتس وكروسيوس قادا المدرسة الرواقية بعد زينون، الذي أحدَثَ ثورة فكرية عَصَفتْ بالعالم أجمع.

ختاماً، وبعيداً عن المجاملات الإخوانية التي تُفقِد الناقد شرط الصِّدقية، حَرِيٌّ بنا الإعراب عن الفرح الكيانيّ بصدور هذا الكتاب الجديد للباحث الجادّ إدمون ملحم. فما من ريب أن بحثاً رصيناً عن الظاهرة الفكرية والسلوكية التي تمثلها الرواقية هو بحدّ ذاته إنجاز يستدعي الإحترام. كما أنه يمثل حاجة ثقافية – نفسية –أخلاقية في زمن رديء يكاد نمط التفاهة أن يهيمن على أيامه التي يتآكلها الجوف قبل العقل، والإستهلاك الإلكتروني قبل سؤال المعيار الذي ينبغي أن يبقى طليعياً في تراتُبية الهواجس الحضارية التي تَشْغَلُنا.

/الديار/

اترك رد إلغاء الرد