السعودية تعلن الحد الأقصى لإنتاج نفطها

أكد تحليل منشور على “بلومبيرغ” الأميركية أن قدرة السعودية على إنتاج مزيد من النفط أقل مما توقعت الإدارة الأميركية، بل وربما أقل مما توقعه السعوديون أنفسهم، مما قد يكون إشارة لاستمرار مشكلات الطاقة العالمية لفترات طويلة مستقبلا. 

وفي حين كانت السعودية ترفض الإجابة بوضوح عن سؤال “ما هو أعلى حد لإنتاج النفط تستطيع المملكة ضخه”، أو على الأقل تبقي الإجابة سرا، فإن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، قد أجاب أخيرا أن هذا الحد هو 13 مليون برميل يوميا. 

وتكشف الإحصائيات أن متوسط ​​إنتاج الخام السعودي قد بلغ 10.7 مليون برميل يوميًا في عام 2021، وهو أعلى مستوى ضخ على الإطلاق، ويتزامن ذلك مع تصريحات ولي العهد السعودي أن العالم كله، وليس فقط المملكة العربية، يحتاج إلى الاستثمار في إنتاج الوقود الأحفوري خلال العقدين المقبلين لتلبية الطلب العالمي المتزايد وتجنب نقص الطاقة. 

ويرى التحليل أن لجوء أكبر منتج نفط للعالم لمثل هذا الإعلان، علامة مقلقة. 

وكانت الرياض قد أصدرت تعليماتها في العام 2020، إلى شركة النفط العملاقة المملوكة للدولة “أرامكو السعودية” للشروع في برنامج متعدد السنوات بمليارات الدولارات لزيادة طاقتها الإنتاجية القصوى إلى 13 مليون برميل بحلول العام 2027

وهذه الخطة تختلف عن طموحات سابقة أعلنها السعوديون برغبتهم في توسيع الطاقة الإنتاجية لتصل إلى 15 مليون برميل يوميا.

وكل هذه التقديرات تختلف جذريا، عن أرقام سابقة أعلنها المسؤولون التنفيذيون في أرامكو لمركز الأبحاث CSIS في واشنطن عام 2004، حين أكدوا أن الشركة يمكنها الحفاظ على مستويات إنتاج تبلغ 10 و 12 و 15 مليون برميل يوميًا لمدة 50 عامًا إذا لزم الأمر.

وفي ذلك الوقت، كانت الرياض تحارب آراء الخبير الاقتصادي الراحل مات سيمونز، مؤلف الكتاب الذي نوقش كثيرًا وعنوانه”الشفق في الصحراء: صدمة النفط السعودي القادمة والاقتصاد العالمي”، وفيه جادل سيمونز بأن السعودية على وشك الوصول لذروة إنتاجها النفطي. 

أسباب الإعلان

وبحسب التحليل قد يكون أحد أسباب وضع المملكة العربية السعودية الآن لسقف إنتاج منخفض هو التغير المناخي، وأنها غير متأكدة من نمو الطلب على النفط في المستقبل، وبالتالي قد يرى صناع القرار في الرياض أنه من الحماقة بمكان إنفاق مليارات الدولارات في طاقة إنتاجية جديدة قد لا تكون مطلوبة.

وشدد ولي العهد في خطابه على “أهمية طمأنة المستثمرين” بأن السياسات “لا تشكل خطرا على استثماراتهم” بهدف تجنب “إحجامهم عن الاستثمار”، وهنا يقول كاتب التحليل “لا أعتقد أن الأمير محمد كان يتحدث عن أموال وول ستريت وصناديق التحوط عندما ذكر مصطلح(مستثمرون) لأنه مصطلح يغطي أيضًا مصالح المملكة العربية السعودية”.

وقبل عقد من الزمان، قال وزير الطاقة السعودي آنذاك، علي النعيمي، إن المملكة العربية السعودية ستكون “محظوظة” لضخ أكثر من 9 ملايين بحلول أوائل عام 2020، موضحا: “من الناحية الواقعية، استنادًا إلى جميع التوقعات التي رأيتها، بما في ذلك توقعاتنا، لا توجد دعوة لنا لتجاوز 11 مليون برميل بحلول عام 2030 أو 2040.

ولكن الواقع أكثر إيجابية مما توقعه ذلك المسؤول المخضرم، ففي الشهر المقبل، سترفع أرامكو الإنتاج اليومي إلى ما يزيد قليلاً عن 11 مليون برميل.

وفي حين أن السعودية قد تراجع خططها الاستثمارية في ظل زيادة الطلب، فإن إعلان ولي العهد عن الحد الأقصى ربما يشير إلى أن هناك سبب آخر لوضع هذا الحد: الجيولوجيا. 

فلسنوات كانت المملكة السعودية تعلن عن حقول نفطية جديدة لتعويض الاستنفاذ الطبيعي لخزاناتها القديمة، وسمحت السلطات لحقل الغوار، أكبر حقل نفط في العالم، بالعمل بمعدلات منخفضة، حيث أنها تسعى إلى زيادة الطاقة الإنتاجية وليس فقط تعويض الانخفاضات الطبيعية.

وعلى مدار السنوات، اضطرت أرامكو للاعتماد بشكل متزايد على الحقول البحرية الأكثر كلفة، وربما كانت الرياض أقل ثقة في قدرتها على إضافة حقول نفطية جديدة، فحقل الغوار نفسه  يضخ أقل بكثير مما يفترضه السوق، فبعد أن كان الإنتاج المتوقع حوالي 5 ملايين برميل، كشفت أرامكو أن إنتاجه لم يتجاوز 3.8 مليون برميل يوميا.

ويتابع كاتب المقال: “إذا كانت عقبة زيادة الإنتاج هي الجيولوجيا، وليس التشاؤم بشأن الطلب المستقبلي على النفط، فإن العالم يواجه فترة صعبة إذا أصبح الاستهلاك أقوى مما هو متوقع حاليًا”.

ففي الوقت الحالي، تعد ذروة الإنتاج السعودي أمرًا بعيد المنال نسبيًا خلال الأعوام الخمس القادمة على أقل تقدير، وذلك وفق تساؤلات ملحة فيما إذا  كانت الرياض ستكون قادرة على الحفاظ على إنتاجها الحالي البالغ 11 مليونًا، وهو شيء حققته مرتين فقط في تاريخها ولفترة وجيزة.

ويعتمد العالم بشكل كبير على ثلاث دول للنفط الخام: الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وروسيا، وهم يشكلون معًا ما يقرب من 45 ٪ من إجمالي إمدادات النفط العالمية. 

ومع عدم رغبة المستثمرين الأمريكيين في تمويل الاستثمارات أكثر فإن نمو إنتاج الولايات المتحدة أضحى أبطأ مما كان عليه في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ومن جهة أخرى تواجه روسيا نظرة أكثر قتامة لأن تأثير العقوبات الغربية لا يحد من الإمدادات الحالية فحسب، بل ويعيق أيضًا قدرتها على التوسع في المستقبل.

في عصر التغير المناخي، وبحسب كاتب التحليل، سيكون زيادة إنتاج النفط السعودي أكثر أهمية، ولكن في حال لم تتمكن الرياض من تجاوز الحد الذي وضعته لطاقتها الإنتاجية فإن الكثير من الدول سوف تكون مجبرة للاستثمار في الطاقة منخفضة الكربون مثل الطاقة النووية وطاقة الرياح، أو الخضوع لارتفاعات مستمرة في أسعار النفط  وحدوث تضخم أسرع ونمو اقتصادي أبطأ، ولذلك ينصح الكاتب بسلك المسار الأول حتى نضطر مكرهين للخضوع إلى الخيار الثاني.

/ الحرة /

اترك رد إلغاء الرد