“أنتِ بتشتغلي إيه؟”

… السؤال المربك في مجال النقد الأدبي ثماني سنوات مرّت على عملي في مجال النقد الأدبي، وبالرغم من ذلك تصيبني حالة من الارتباك أمام هذا السؤال، بل يقع على قلبي وعقلي وقع الصدمة، إلى الحد الذي يجعلني ألتفّ حول الإجابة فأقول بحذر: أكتب مقالات عن الكتب.

ظلّ هذا التحايل على الإجابة ملازماً لي، حتى استوقفني أساتذتي في المهنة قائلين: إيمان أنت ناقدة وكاتبة صحافية… بالإضافة إلى تأكيد صديقي الذي فتح لي أبواب العمل في هذا المجال على أنني ناقدة، بل كاتبة بالمعنى الشامل… لكن بالرغم من ذلك لم أتخلص من الشعور بالارتباك، خاصةً حين يُطرح هذا السؤال في محيط اجتماعي بعيد عن العمل.ودائماً كان يأتي رد من يسألونني في صيغة مفاجأة: أنتِ ناقدة! ولكن منهم من يقولها بإعجاب وحماسة ويتبِع قوله بطرح المزيد من الأسئلة عن الكتب، ومنهم من يكتفي بابتسامة يليها صمت طويل حتى نغيّر وجهة الكلام إلى موضوع آخر.

مهلاً، أنا لا أتنصل من عملي، ولا أنظر إلى نفسي بعين الاستهانة، وكل ما هناك أن عقلي الباطن ترسخ في داخله المعنى القديم المتعارف حول كلمة ناقد التي ارتبطت في أذهان الناس بأن وظيفته هي إطلاق الأحكام اللاذعة على الأعمال الأدبية، وقد يصل الأمر إلى التفنن في استخراج الأخطاء والعيوب، وشن حملات الهجوم.

وما يزيد الأمر صعوبةً هو استخدامهم مفردات وتعريفات معقدةً تُشعر القرّاء بالتعالي والتعقيد، بالإضافة إلى تعاملهم مع إيجابيات العمل على كونها أمراً بديهياً لا يستحق الإشادة.أنا جزء من المجتمع، وأحب أن أكون مقربةً إلى الناس، وتالياً أخاف من أن يؤخذ عني ذلك الانطباع الشائع، الأمر الذي دفعني للبحث عن أسباب تلك النظرة السلبية للنقاد. فبالرغم مما نعيشه من تقدم تكنولوجي أتاح الفرصة أمام المهتمين بعالم الأدب للتواصل للتعبير عن آرائهم، تظل هناك فجوة واضحة بينهم وبين النقاد.مهلاً، أنا لا أتنصل من عملي، ولا أنظر إلى نفسي بعين الاستهانة، وكل ما هناك أن عقلي الباطن ترسخ في داخله المعنى القديم المتعارف حول كلمة ناقد التي ارتبطت في أذهان الناس بأن وظيفته هي إطلاق الأحكام اللاذعة على الأعمال الأدبيةفي أثناء رحلة بحثي من خلال حضور العديد من الندوات وحفلات التوقيع، بالإضافة إلى متابعة النقاد والكتّاب، تأكدت من أن الناقد هو المسؤول الأول عن تلك النظرة، لكن هناك شركاء آخرين من الوسط الأدبي، يأتي البعض منهم بأفعال أكثر خطورةً على حرية القراءة والإبداع الأدبي من النقد الهدّام، إذ قد يمكنك تجاهل النقد لكن ما يفعلونه لا يمكن أن تكون في معزل عنه أبداً.

أنا جزء من المجتمع، وأحب أن أكون مقربةً إلى الناس، وتالياً أخاف من أن يؤخذ عني ذلك الانطباع الشائع، الأمر الذي دفعني للبحث عن أسباب تلك النظرة السلبية للنقاد.تبدأ الإشكالية من القرّاء، وأعلم أن البعض منكم الآن سوف تصيبه الدهشة، فالقارئ مُتلقٍّ، وعلى جميع عناصر العملية الثقافية السعي إلى إرضائه، ولكن اسمحوا لي أن أصدمكم بأن هذه الرؤية باتت قديمةً، فلم يعُد القارئ يعتمد على نفسه بشكل أساسي؛ بعض القرّاء يتّخذون من النقّاد موجهين لهم، توجيهاً أعمى. تذكرني علاقتهم بطفل يمسك بطرف جلباب أمه ويتبعها أينما ذهبت. فحين يعلن أحد النقاد عن قراءته كتاباً ما، أو يكتب مقالاً عن رواية، سرعان ما تجد العشرات يسألونه مباشرةً: أقرأ هذا الكتاب أم لا؟ والغريب أنهم ينتظرون إجابةً قاطعةً، فيتوهم البعض من النقاد أن لهم هذا الحق في الحكم القاطع، وتتحول عملية القراءة إلى توجيه مباشر، الأمر الذي يضع البعض الآخر من النقاد في مأزق حين تكون إجابتهم: نعم، عليكم قراءة الكتاب مهما كانت رؤيتي، مما يعرضهم لاتهامهم بالدبلوماسية عديمة الجدوى.

نسي القارئ أن القراءة نشاط يعتمد على الذائقة والتجربة الشخصية والمرحلة العمرية، ولا أجد عيباً في أن أذكر القدرات الذهنية أيضاً، فهناك من يستطيع قراءة أمهات الكتب، وهناك من يجدون فيها كل الصعوبة، لذلك قد لا يناسبك هذا الكتاب ولكن يجمع عليه آخرون، والعكس صحيح، خاصةً أن الذائقة الشخصية والتركيز في القراءة شيئان يتأثران بعوامل أخرى كالحالة النفسية التي تعيشها، وموضوع الكتاب، وأسلوب الكتابة.أعلم أن للقراء في زمننا هذا أعذاراً واضحةً؛ فغلاء أسعار الكتب حوّل عملية شراء كتاب معيّن إلى مغامرة، وما يزيد الأمر صعوبةً هو سرعة وتيرة الحياة اليومية التي لا تسمح بالمزيد من البحث عن معلومات حول الكتاب ومؤلفه قبل شرائه، لكن ذلك لا يُعدّ مبرراً لما يحدث، فالقراءة هواية في أول الأمر وآخره، ولزام عليك أن تجد لمتنفّسك وقتاً خاصاً.عند الوصول إلى هذا الجزء، يظهر نوع آخر من القراء الذين يعتمدون على عدد من سبقوهم إلى قراءة الكتاب وآرائهم به، ويستعينون في ذلك بأندية الكتب و”غروبات” القراءة التي بقدر ما تساهم في نشاط الحركة الثقافية في متابعة أهم أخبار الكتب والكتّاب وعقد المناقشات، بقدر ما تحوّل البعض منهم إلى ميليشيات تشنّ حرباً على من يعارضها الرأي حول كتاب ما، ويعطون لأنفسهم الحق في توجيه بعضهم البعض؛ اقرأ هذا الكتاب ولا تقرأ هذه الرواية، بالإضافة إلى الطامة الكبرى التي تتمثل في مسابقات القراءة؛ هيا بنا نقرأ عشرة كتب هذا الأسبوع، فيتحول الكتاب إلى رقم، وروح المنافسة قد تحرمك من التركيز في المضمون.

وقد وصل الأمر ببعض القراء إلى حد التقليل من قراءات غيرهم، والسخرية منها، بل تصنيفها، فلا عجب أن تسمع أحدهم يقول: لا تقرأ هذا الكتاب فهو لا يناسبك الآن، أو هذه كتب للمراهقين دون المستوى، أو هذا كتاب بسيط لا يستحق، وغيرها من المصطلحات. نسي هؤلاء أننا في غالبيتنا بدأنا رحلة القراءة بحكايات السندريلا وميكي وسمير، فالقراءة مراحل.

هل يُعقل أن يبدأ أحدهم بقراءة كتابات نجيب محفوظ وطه حسين؟ ثم ما المانع في أن نقرأ كتاباً يمرّ على الموضوعات المهمة مروراً خفيفاً، فيمهد بذلك تلقائياً لكتاب آخر أكثر ثقلاً، بالإضافة إلى أن التدرج في القراءة يساعدنا في التعرف على ذائقتنا الخاصة، وملاحقتنا في تلك المرحلة بالسخرية تشعرنا بالضآلة وتخلق فجوةً أخرى بين القرّاء، وكأن كلاً منهم يعيش في عالم آخر، وقد يضطر البعض إلى الانصراف عن النشاط الأدبي بالكامل.ثم يأتي دور الكاتب، فلا يوجد بينه وبين الناقد تواصل حقيقي بنّاء. حتى في حفلات التوقيع، أصبح من النادر أن تجد كاتباً يقدّمه ناقد.ثم يأتي دور الكاتب، فلا يوجد بينه وبين الناقد تواصل حقيقي بنّاء.

حتى في حفلات التوقيع، أصبح من النادر أن تجد كاتباً يقدّمه ناقد، فالأول لا يرى في الأخير سوى قلم يكتب مقالاً عن الكتاب أو الرواية فيحرق أحداثها ويفقد القرّاء الحماسة لقراءتها، وفي هذا الصدد للكاتب كل الحق، فقد وقع العديد من النقاد في فخ الاسترسال في حكي محتوى العمل الأدبي، ولكن ذلك يحدث في غالبية الوقت بدافع الحماسة للعمل لا العكس، ويمكننا الخروج من هذا المأزق بالتواصل بين الطرفين. لن أنسى أبداً موقف كاتبة ما، تواصلت معي لتنبّهني بلطف إلى أنه عليّ تدريب نفسي أكثر على استخدام التعبيرات المجازية والمفردات الضمنية كي أتجنب حرق الأحداث، فكانت نصيحتها أهم وأغلى الخبرات التي اكتسبتها في حياتي المهنية.

لكن هناك نوعاً آخر من الكُتّاب، يتعالى على النقاد والقراء، ويقلل من مستوى ثقافتهم، ويصل به الأمر إلى التعليق على أعمال الأدباء المعاصرين والراحلين بالسخرية منها، ويختلق معارك لا تعود بفائدة على أي طرف من الأطراف، في حين كان الأولى، خلال الوقت الذي يستنفده في الصراعات، أن يقدّم هو أعمالاً جديدةً تعالج تقصير الآخرين وتملأ الفجوات التي خلّفوها كما يدّعي، وهنا لن ألقي باللوم عليه وحده، فهناك مواقع ثقافية تهتم بهذا النوع من المعارك وتروّج لها.وفي هذا الصدد لنا وقفة أمام دور الملاحق الثقافية في الجرائد والمجلات وعلى المنصات المهمة، فأغلبها للأسف يهتم بنشر أعمال كبار الكتّاب، والأعمال الكلاسيكية، خوفاً من المغامرة بنشر مقال عن عمل جديد قد لا يروق للقراء، ولا يخالف هذه القاعدة سوى في حالة تتويج عمل جديد بجائزة أدبية فينشر الخبر ويصحبه ترويج للعمل الفائز، الأمر الذي جعل بعض النقاد والقراء يتخذون من الجائزة دليلاً قاطعاً على نجاح هذا الكاتب وفشل الآخر، بل يصل الأمر بالبعض إلى إعلان استيائهم حين يرشح أحد الكتاب لجائزة ما بحجة أنه لا يستحق، ويخترعون أسساً محددةً يتمنون لو يلزمون بها لجان التحكيم، بل يدعون وجود معايير ثابتة للحكم بالفعل، وهذا أمر خطأ، فتلك المعايير تختلف من لجنة إلى أخرى.

إذاً، يجب علينا الاعتراف بأن الجوائز الأدبية، مهما كان شأنها وشأن لجنة تحكيمها، ليست مقياس حكم على مستوى كاتب أو كتاب، فهي تسلط الضوء فقط على جنسيات وموضوعات مختلفة في الأدب، وتساعد على تعريف العالم الغربي بثقافتنا حين تترجَم هذه الأعمال إلى لغات أخرى.

في هذا الصدد لنا وقفة أمام دور الملاحق الثقافية في الجرائد والمجلات وعلى المنصات المهمة، فأغلبها للأسف يهتم بنشر أعمال كبار الكتّاب، والأعمال الكلاسيكية، خوفاً من المغامرة بنشر مقال عن عمل جديد قد لا يروق للقراء، ولا يخالف هذه القاعدة سوى في حالة تتويج عمل جديد بجائزة أدبيةعند الوصول إلى هذا الجزء، نكتشف أن كل طرف تحوّل إلى ناقد أدبي مستقلّ بذاته، لذلك على كل منا أن يتذكر حقيقة كونه قارئاً في الأساس، كي يحافظ على متعته من القراءة وقدرته على التفاعل مع المناخ الثقافي، ومن يمتهن النقد منا يجب أن يتمسك بالحديث عن أساسيات الكتابة النقدية، ولكن عليه العمل على تبسيط هذه النظريات للقراء، وأن يقوم بترشيح المزيد من الأعمال فيشاركهم بذلك ذائقته الخاصة، وعليه أن يلزم الصمت أحياناً، ولا أقصد بالصمت هنا عدم الكتابة، بل عدم تعكير صفو الآخرين.

فحين يرى أحدهم يقرأ عملاً لم يرُق له، يجب أن يتركه وشأنه ويتذكر أن الزمن يُجري عمليات فلترة تلقائية، واستمرار القراءة ينمّي القدرات وينوّع الذائقة ويثريها.في النهاية، أسمع الآن أحد قرّاء هذا المقال يحدّث نفسه قائلاً إن كل ما رصدته من سلبيات هو وجهة نظر شخصية لأصحابها الحرية فيها. أعلم ذلك عزيزي القارئ، وأذكرك بأن ما قرأته من كلمات هو وجهة نظري الخاصة، وأنت أيضاً يجب أن تبحث وتعرض ما تتوصل إليه، لذلك اسمح لي أن أقدّم لك هديةً من كلمات الشاعر الكبير صلاح جاهين، سوف تجد فيها حتما رفيقاً طيباً في رحلتك: “أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه/ أنا حر ف اللي يقول ضميري عليه/ وإن كنت تحكم جوا ملكوتك/ الشارع الواسع فاتح لي إيديه”.

/رصيف22/

اترك رد إلغاء الرد