كاتبٌ من زمنٍ نظيف

«دار ميم» تُعيد إصدار أعمال الروائي الجزائري: محمّد بورحلة…

تتّكئ بعض النصوص على الفلسفة والفِكر، في تقديم مواضيعها. نصوص لا يمكنُ أن تقرأها في عُجالة، بلْ تستقمْ في جلستِك وتستعدّ بكلّ ما أوتيتَ من تركيز فكري كي تدخل عوالمها. هكذا هي أعمال الروائي الجزائري محمد بورحلة (مواليد قصر البخاري 1950) هذا المثقّف العصامي الرصين الذي يكتبُ باللغتين العربية والفرنسية في الرواية، والقصة، والمسرح، والشعر، والمقال الصحافي، والترجمة… لكنّه لم يأخذْ حقّه في فوضى النقد، وتكالب النّشر. كاتبٌ من زمنٍ نظيف، يكتبُ بأسلوب خاص عن قضايا كبيرة في زمنٍ يحتفي بالرداءة. من المؤسف وجود نصوص مماثلة في زمن اللّاقارئ، زمن أصبح فيه للرداءة صوتٌ وحضور وشلّة، في حين تجد أمثاله ممّن يقدّمون نصوصاً لها أفكارها ودروسها الحياتية قيد النسيان والتجاهل والصدود.

تنتمي روايات بورحلة الصادرة حديثاً عن «دار ميم» بطبعات جديدة («الخبزُ والإدام»/ طبعة ثالثة، «قبل البدءِ حتّى»/ طبعة ثانية، «جبانة الغُربة»/ الطبعة الأولى) إلى الرواية الجديدة أو تبدو كذلك لصعوبة تصنيف نصوص ذات حلقات وجيزة وأساليب متعددة أو مبتكرة تؤثر التشظّي في السرد، تجمع بين الحقيقة والخيال، القصة في القصة والتقعير السردي، الاستطراد والانحراف والخرافة الصوفية الحبلى بالرموز… تضرب للقارئ موعداً مع الدهشة والتيه أو الأحلام الموؤودة في مصحّات المجانين، أو تكلّمه عن غاب موحش وجنيات من لحم ودم وفراشات تحبّ جبران ومي وحلوى المارشميلو. تيماتها كثيرة: عجرفة مدن تجوبها الأطياف. بنايات محنطة، هجينة، مقطبة، كتومة، شرسة، يتبختر فيها الزيف، يضبط الاحتقان وتيرة عقارب أيامها الرتيبة، ينام أبطالها على جمر الحيرة ويصحون على وجع الشعور بالغربة، أو ينتظرون زيارة العجب على حين غرة ليُبعث الحب من جديد. مدن يعيشُ فيها بشرٌ، المجنونُ فيهم سيّد العُقلاء وأقربهم إلى الصواب والحِكمة كشخصية «حميد القوّال» في رواية «الخبز والإدام». في هذه الرواية، تبدو المدينة بلا روح، حيث الكلّ «مخبأ في قبوه، في قبره، في جلده، في قناعه، في قناعاته!». يعيش فيها «رشيد» حياة الجليس بين كرسيين، أي وضعية المثقف الذي يعيش بين حضارتين، فلا هو جلوس حقيقة ولا وقوف حقيقةً… تمزّق مؤلم جعله خائناً لا يقبله الشرق ولا يرضى عنه الغرب. في الرواية جملة لها مدلولات ورمزية عميقة من خلال عنونة إحدى الفقرات بـ «الأحياء والأحياء» يبرز فيها الكاتب تلك العلاقة العجيبة بين العمران والإنسان، ما يدفع إلى القول بأنّ المدينة تحيا وتعيش في الإنسان الحي والعكس صحيح. يستشرف بورحلة في الرواية واقع الحال في كل البلاد العربية، إذ يسرد تفاصيل حياة المعذبين في مدينة معزولة عن العالم. بعيون الكاتب والمسرحي والفنان، يقرّب إلينا صورتها بأسواقها ومقاهيها، كما يكشف ما يقع فيها من صراع بين إخوة من أجل الاستحواذ على المنزل العائلي التاريخي (الوطن) تكون نهايته مأساوية.

أما في رواية «قبل البدء حتى»، فلم يتحمل «سعيد» الحالم، العيش في مدينة «عين البرد» حيث الأيام «منضبطة لا تثور ولا تحتج؛ أيام مدجنة تمشي بخطى موزونة وتنسخ الملل.. أيام تعطل محركها لنفاد وقود الدهشة». توالت خيباته، فأنهى أيامه في مستشفى مجانين مخاطباً الفلاسفة والرُسل، شاكياً وطأة المنفى بين الأهل، ومتذكراً «ميشال» الجميلة التي لم تستطع أن تنسيه «حيّ التنيس»، الذي ورد ذكره في الرواية السابقة، ولا «شارع العرب»… ولم تستطع جرأة أخته «نوارة» الثائرة على العبث والأسر أن تنقذه، ولا جنون صديقه النادل «عمر» الذي كان يكتب الرسائل لابن لم يولد بعد. يدور السردُ في هذه الرواية حول محطّة قطار، وفي كلّ مرّة يكشفُ زاوية مِنها كأنّ السارد يحملُ كاميرا باليد، وفي آخرِ المَطاف يفسح المجال للمحطة لتتكلّم عن نفسها.

وفي «جبانة الغربة»، يتطرق إلى كل أشكال التعسّف والظلم وما يمكنُ أن يعانيه الفرد، لكن بأسلوب روائي ممتع، وبأفكار مكثّفة مختَصرة، فهو لا يثرثر حين يكتب ولا يكرّر نفسه، بل إنّ الرواية عنده مركزة، حيث كل عبارة تحتمل أكثر من تأويل. يقول في «جبانة الغربة»: «الحياة تقويمٌ مروع يمكن فيه التنبؤ بكل الأحداث، كل شيء مبني؛ متوقع؛ مقرر؛ مسطّر؛ منطقي؛ مخطط له؛ خاضع لطقس بارد يقتل الدهشة والعجب…». ويقول عن مدينته «بئر الوحل» إنّها «مدينة للخواء بالولاء. كل يوم يتملّص سكّانها الأقحاح من متطلبات الحياة، وينحرون الرّغبة على صفحات كتاب منحول. بئر الوحل […] سقط تتناوب عليه الضباع. بئر. ثقب من غير منفذ وفرجة. جوف مقبرة ضيق. حفرة. قبر. قعر. جفر. طلسم. غيهب يندب زمنه الجميل. نفق. نفاق. حفر. فضيحة. الحياة فيه كأنها امرأة عفّرت في الفطام…». يعيش «محسن» في مدينة «بئر الوحل» عزلةً رهيبةً ويقضي أيامه بين بحثين: الأول عن ذاته وسمفونيته الخاصة من خلال رسومات مشبعة بتأثير المدارس التشكيلية وعلى وقع الموسيقى الكلاسيكية.

أما الثاني، فهو بحث صديقه «نبيل» الذي يريد أن يفك لغز مسألة غريب «جبانة الغربة»، فيقلب تحقيقه حياته ومسلماته رأساً على عقب لأن نتيجة نبش القبور والأرشيف وخيمة. هكذا هو محمد بورحلة: ذو أسلوب خاص في الكتابة، منح لنصوصه فرادَتها في تحويل الواقع إلى روايات، والتطرق إلى إشكاليات عدة منها الهوية، الآخر، والمنفى على وجه الخصوص. كما أصدر عشر قصص ومسرحيتين بالفرنسية، والكثير (15) من المسرحيات بالعربية نذكر منها: «الملك يلعب» (جائزة أفضل نص أصلي ـــ الدورة السابعة من «المهرجان الوطني للمسرح المحترف»، الجزائر العاصمة، 2012 )، و«ليلة غضب الآلهة»، و«في انتظار المحاكمة»، و«عودة الولي» المسرحية المقتبسة من رواية الطاهر وطار «الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي». خلال إحدى جلساتنا معه، وصف الكتاب بأنّه «متعة بحقّ وفرصة لتحصيل المعرفة وتوسيع الأفق البشري. ومن دون الشّغف به، يكون حبّ الحضارة مجرّد ادعاء. من دون كتاب وقراءة، ليس هناك فكرٌ ناقد أو نضج سياسي أو مجتمع متمدّن، بل ليس هناك جمال أو خيال متفتّح على عوالم العجب والدهشة. وبخصوص الأدب فإنه يكتسي في مجتمعاتنا المؤسسة على الكبت والمَسكوت عنه والتابوهات والكثير من النفاق، أهميّةً بالغةً لأنّه يسمح بإعادة تأهيل ذاتيّة مضطّهدة تتوق إلى التحرر ومقاومة الاستلاب والعدَم الذي تفرضه علينا عاداتٌ وأنساق لها طعم البديهيات وشكل السياج». وصف يذكّرنا يعبارة إينيو فلايانو بأنّ الكتاب يحلم، الكتاب هو الشيء الميّت الوحيد الذي يحلم». لكنّك حين تقرأ روايات محمد بورحلة، تخرج بتساؤل: هل يمكنُ للذي يعيشُ في هكذا مدن متشظّية أن يخرجَ سالماً ومُعافى؟

هل يمكنُ للذي يعيشُ في هكذا مدن متشظّية أن يخرجَ سالماً ومُعافى؟

/الأخبار/

اترك رد إلغاء الرد