لماذا يستسلم ضحايا المجازر الجماعية لأقدارهم؟

كلنا شاهد تسجيلات مصورة لعمليات قتل جماعي يقوم بها القاتل بدم بارد، ويستسلم لها الضحايا كأنهم مخدرون. لم يكن آخرها عمليات نحر الأعناق المصورة التي بثها “داعش” في كل مكان، إذ نرى فيها منتظري الإعدام بملابس برتقالية اللون راكعين على الأرض ينتظرون مصيرهم الذي يعرفونه، أي الموت المحقق، ومع ذلك لا يظهرون أية مقاومة أو محاولة للهرب.

وهناك المجازر التي يرتكبها المراهقون في الولايات المتحدة الأميركية، والتي يزداد عددها باضطراد، وقبلها جميعاً مجازر الحروب الأهلية التي انتشرت حول العالم بعد الحرب الباردة، سواء في أفريقيا جنوب الصحراء أو في الشرق الأوسط أو شرق آسيا أو يوغوسلافيا، فقد ظهرت شرائط مصورة لمجازر جماعية عدة ارتكبت خلال هذه الحروب، وفي أكثرها يقوم أشخاص بحفر حفرة ثم ينادون على الضحايا ويبدأون بإطلاق النار على رأس كل واحد منهم ليسقط في الحفرة، ثم يأتي التالي من دون مقاومة أو محاولة للفرار على الرغم من أنه يعرف أن مصيره الموت المؤكد، لكنه يبدو كالنائم أو الساهي أو المخدر، وكذلك يبدو المجرم مطلق النار أو مستخدم الساطور أو واضع الضحايا في أفران الغاز كما حصل في المعتقلات اليهودية إبان حقبة النازية، وكأنه يقوم بأمر اعتيادي، أو بفعل ميكانيكي لا يتعلق ببشر يقفون أمامه. وآخر الفيديوهات التي انتشرت كانت مجزرة حي التضامن في دمشق التي تمت بالآلية نفسها.

اعترافات الجلادين

أثناء البحث للعثور على أبحاث أو دراسات على شبكة الإنترنت بالعربية والفرنسية والإنجليزية حول ما الذي يدفع القاتل إلى ارتكاب مجزرته الجماعية بلا رحمة وبدم بارد، وكذلك الذي يجعل الضحايا يبدون مستسلمين لقدرهم من دون أية محاولة للدفاع عن أنفسهم في اللحظات الأخيرة قبل إعدامهم، لم نجد إلا القليل من الدراسات حول الأمر، وأكثرها مأخوذ من التحقيقات التي أجريت مع مجرمي ألمانيا النازية أثناء محاكمات نورنبرغ، واستشف بعض متابعي ودارسي المحاكمات والتحقيقات التي جرت خلالها مع الجلادين مجموعة من الأفكار التي تشرح ما الذي يدفع المجرم في المجزرة الجماعية إلى الشعور بأن ضحاياه يستحقون الموت، وما المشاعر الأخيرة للضحايا كما شاهدها الجلادون.

أحد أهم هذه الأبحاث قام به الفرنسي إيكولاس ماريوت، وهو باحث أول في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، وفي المركز الأوروبي لعلم الاجتماع والعلوم السياسية، نشر ماريوت كتباً عدة منها “مواجهة الاضطهاد”، وكتاب “أليس والحرب… تاريخ التضحية”، وغيرها من الكتب والأبحاث. أما بحثه الذي أشرنا إليه فهو مؤلف من صفحات عدة ومنشور باللغتين الإنجليزية والفرنسية في مواقع قليلة على شبكة الإنترنت، وكما يقول عن بحثه، فهو يناقش فكرة أن “نزع الصفة الإنسانية” يلعب دوراً أساسياً في القتل الجماعي، بعد اعتبار الجلادين ضحاياهم درجة أقل من البشر، بل وكان يجب تطهيرهم من الوجود. وقد قام البحث باستخدام رسائل الجناة والاستجوابات القضائية الألمانية للذين شاركوا في الحرب بالشرق بين عامي 1941 و1944.

تبدأ الشهادة كالتالي، “[في ميليتوبول في الحرب الثانية] من بين الضحايا كانت هناك عائلات ماتوا معاً ممسكين بأيادي بعضهم بعضاً. أنا ما زلت أتذكر زوجين شابين أرادا الموت معاً. كان على الضحايا الاستلقاء على أرض الخندق ثم تمر الدبابات على جثث الذين تم إعدامهم بالرصاص”، أما الرجل الذي وصف هذه المشاهد فكان ريتشارد توجل، وهو شرطي خدم في الجزء الخلفي من الجبهة السوفياتية بين عامي 1941 و1942. وفي عام 1965 اعترف بأنه كان في كثير من الأحيان جزءاً من مجموعات الإعدام نفسها.

يقول ماريوت إن تحقيقه يستند إلى روايات من التحقيقات القضائية التي أجريت بعد أكثر من 20 عاماً على وقوع الأحداث، ولذلك قد يغير القاتل وجهة نظره في ضحيته بعد ذلك الوقت، لذا قام باستخدام اليوميات والرسائل التي كتبوها في زمن قيامهم بجرائمهم، كمصدر أكثر موثوقية لمشاعرهم تجاه ضحاياهم، وكذلك لما فعله الضحايا في اللحظات الأخيرة بحسب وصف القتلة أنفسهم.

الشهادة الثانية كانت حول مجزرة وقعت في 31 يناير (كانون الثاني) 1942، وفيها قال الجندي ريتشارد توجل، “على مدى الساعة الماضية أعدمنا جميع الذين ما زالوا يعيشون في القرية.962  شخصاً وامرأة وكبار السن والأطفال. نبدأ بالأطفال ثم كبار السن ثم النساء. هذه هي الطريقة التي نقضي بها على الطاعون”. يقول الباحث إن هذا الجندي انضم إلى القضية النازية في سن مبكرة، وكان يكتب عن عمليات الإعدام ثم ينتقل فجأة للحديث عن الأنشطة الترفيهية في المعسكر، تماماً كما كتب الطبيب المشرف على الإعدام بالغاز ليوهان كريمر في يومياته عن جودة الوجبات والحفلات التي تم تنظيمها لحامية قوات الأمن الخاصة في أوشفيتز.

نزع الصفة الإنسانية

لتجريد الضحايا من إنسانيتهم ​​دور غامض وأساسي في تفسير بدء عنف الإبادة الجماعية، على الرغم من أن هناك مجتمعات تواجه فيها الأقليات التحيز الاجتماعي والقانوني والعنصري والفصل المكاني من دون أن يؤدي ذلك إلى إبادة جماعية.

يقول المفكر الأميركي ليفي شتراوس إننا ما زلنا نواجه مذابح تعتبر شكلاً من أشكال الانحطاط الرمزي للعدو. ومعظم الحالات التي تتعلق بحجة التجريد من الإنسانية ترتبط في النهاية بتفسير البعد الأيديولوجي للعنف الجماعي، وتجريد الآخر من الإنسانية أحد الطرق الرئيسة التي يتم بها ذلك.

علم النفس يقول إن الأمر يتعلق بمحاولة مرتكبي الإبادة الجماعية إضفاء شرعية على جريمة القضاء على مجموعة معينة من البشر، مدعومة بنهج إلقاء اللوم على العدو في ما يجري.

ونزع الصفة الإنسانية الذي يبدأ قبل المجازر عادة يشمل كل عمليات التنميط للضحية بمختلف أشكال التشهير والحط المعنوي والرمزي من قيمتها كجماعة، عبر وصفها بالحشرات أو الجرذان الناقلة للأمراض أو عبر شيطنتها في عملية دعائية موسعة. وصف الألمان بالخنازير خلال الحرب الأولى فسموا اليهود بالجرذان في الحرب الثانية، وفي أفريقيا تم تشبيه التوتسي بالصراصير مثلاً.

في حال الضحايا فإن التجريد من الإنسانية ينطوي على آليات تمسح عنهم سماتهم الشخصية والفردية نهائياً، ويبدأ الأمر بإلقاء القبض عليهم بغتة بلا مبرر ومن دون إبلاغهم عما سيجري، ثم يتم احتجازهم في ظروف مهينة ويقص شعرهم ويرتدون ملابس موحدة، وقد يتم وشم الضحايا بأرقام كما حصل في المعسكرات النازية، وكما هو الحال في المعتقلات الإسرائيلية وفي سجون النظام السوري وكذلك في معتقل غوانتانامو، فإعطاء الأرقام بدل الأسماء يهدف إلى محو شخصية المعتقل السابقة على اعتقاله، وفي المعتقلات الألمانية كانت الأرقام بمثابة جرس إنذار، فبحسب الرقم يعرف السجين متى سيحين دوره للحاق بالأرقام التي سبقته. والهدف كله يدور حول إشعارهم بأنهم أدنى من كائنات بشرية، وأنهم وحدة واحدة متشابهة، ثم ينتهي الأمر بتكريس حيوانية المعتقلين عبر التجويع ومنعهم من الدخول إلى المراحيض، حتى تتحول أماكن تجمعهم إلى ما يشبه الجحيم، فيكاد الضحية يطلب الموت من تلقاء نفسه.

توصل الباحث الفرنسي ماريوت من خلال مطالعاته للتحقيقات مع منفذي المجازر الجماعية إلى فكرة مركزية مفادها أن الجلادين نجحوا في التوقف عن الإدراك بأن أولئك الذين كان عليهم قتلهم هم من البشر، وذلك عبر تأكيد مفاهيم جماعية حول أن “إنسانيتنا ليست مشتركة، فإنسانيتنا أرقى من إنسانيتهم”.

الكاتب والمخرج الأميركي مايكل مان يرى بدوره أن نزع الصفة الإنسانية يلعب دوراً أساسياً في نفي كل أخلاق في نفس الجلاد، في حين توصل ماريوت إلى استنتاج مفاده أن القتل يصبح كأنه فعل ميكانيكي، ويسأل، “كيف لنا أن نفهم موقف هؤلاء الجلادين الميكانيكيين الذين تمكنوا من البقاء لساعات يقتلون عائلات بأكملها، الواحدة تلو الأخرى، والاستمتاع بتدخين سيجارة عند الاستراحة؟”.

الوحشية وحدها لا تكفي

الكاتبان والمفكران الأميركيان غولدهاغن وكريستوفر براونينغ كلاهما من أصحاب المؤلفات الكثيرة حول المجازر الجماعية وعلى رأسها الهولوكوست، يفترض الأول في كتابه “جلادو هتلر المستعدون” (1996) أن الغالبية العظمى من الألمان العاديين كانوا “جلادين برضاهم” بسبب “معاداة السامية الإقصائية” الفريدة في الهوية الألمانية، وبسببها قتل الألمان العاديون اليهود عن طيب خاطر. وقد وافق علماء كثر مثل يهودا باور وأوتو كولكا وإسرائيل غوتمان وآخرين على أولوية أيديولوجيا معاداة السامية الراديكالية في تسهيل ارتكاب المجازر.

أما براونينغ صاحب كتاب “الرجال العاديون… كتيبة الشرطة الاحتياطية 101″، فعلى الرغم من أنه يعترف بتأثير حملة الدعاية اللا سامية فإنه يأخذ عوامل أخرى لإقدام الجلادين على مجازرهم البشعة في الاعتبار، مثل الخوف من كسر الرتب العسكرية، والرغبة في التقدم الوظيفي، والقلق من اعتبار رافض تنفيذ الأوامر بالفار أو العميل أو الوصف الأكثر تأثيراً وهو “الجبان” أو “الضعيف”. ويقال إن جنوداً كثراً شاركوا في القتل في جميع المجازر فقط لأن أقرانهم اتهموهم بالجبن بعد أن أعلنوا رفضهم المشاركة في قتل أطفال ونساء.

في بعض الشهادات يظهر ما ينافي شرط “نزع الصفة الإنسانية”، إذ يقول أحد الجنود المشاركين في المجازر، “لا يزال يمر في ذاكرتي مشهد عائلة من اليهود مروا في صف أمامي وبينهم فتاة في سن ابنتي وشقراء مثلها. يومها فرت الدموع من عيني وما زالت حتى اليوم”. شاهد آخر يدعى مارتن فاس يقول، “أتذكر بشكل خاص فتاة شقراء صغيرة تعلقت بيدي، وكان عليَّ أن أطلق عليها النار في النهاية”. الشاهد وولفجانج تراوتمان يتذكر كيف سألته فتاة جثت أمامه، “لماذا يجب أن أموت؟” ويكمل، “تسببت لي هذه الفتاة بألم عميق لأنه لم يكن بإمكاني فعل أي شيء لمساعدتها، بل كنت أسمع صوت رفاقي من الحفرة يطالبونني بوقف الحديث مع الضحايا وإكمال العمل”.

أما بخصوص الضحايا، فقد أخبر جندي من “الفيرماخت” حين سئل إذا ما كان يعرف أحداً من بين الضحايا، فأجاب، “نعم، كان هناك طبيب أسنان تحدثت معه لفترة قصيرة على حافة الحفرة. وحين سألني لماذا نقوم بقتلهم، أجبته بأنني أنفذ أوامر رؤسائي. وأذكر أنه أعطاني بعض النصائح من أجل أسناني”.

كشف ماريوت عن أن أكثر ما قام به الضحايا قبل بدء عمليات الإعدام أو خلاله هو طلب التخلص السريع من معاناتهم أو السؤال عن السبب، “لماذا يحدث هذا الأمر؟” أو “لماذا أنا؟”. وقد تحدث أعمال مقاومة ضعيفة مثل البصق على حذاء الضابط، أو إطلاق شتائم، إلا أن الصراخ بالرحمة من أجل الأطفال غالباً ما يكون الصوت الطافي أثناء عمليات الإعدام الجماعي.

لكن ما يثير ريبة الباحثين في نفسية وسلوك القاتل في المجازر الجماعية هو القتل الميكانيكي حتى لأشخاص قد لا تقع عليهم شروط الإعدام، ولكنهم يذهبون ضحية الغوغائية العامة. يقول أحد الجنود الشهود، “بينما أوقفناهم على حافة الحفرة تجهيزاً لإعدامهم، أخرج أحدهم كتيباً عسكرياً من جيبه ورفعه صارخاً أنه كان جندياً ألمانياً خلال الحرب العالمية الأولى، لكن قائد القوات الخاصة الذي كان يراقب المشهد صاح (استدر، أيها الوغد)، ثم أعدمه. ويقول براونينغ في كتابه حول الكتيبة 101، إنه خلال مجزرة في جوزيفو تواصل عدد من رجال الشرطة مع المعتقلين واكتشفوا أنهم ولدوا وعاشوا في المدن نفسها ويعرف بعضهم بعضاً شخصياً من خلال السوق التجارية في هذه المدن.

يريد الباحث ماريوت أن ينفي كون “نزع الصفة الإنسانية هو السبب الوحيد الذي يدفع الجلادين إلى قتل ضحاياهم ولو كانوا من معارفهم”، فيعطي أمثلة من شهادات كان القتلة يصفون الضحايا بعاطفة وشفقة أو بانزعاج مما سيقومون به، ولا يتمكن ماريوت من تفسير الأمر حين يكتب، “لست متأكداً من أنني سأكون قادراً على فهم كيف ترافقت الشفقة والعاطفة الإنسانية مع القتل مباشرة”. وهذا هو رده على تساؤله هو نفسه “لم ير القتلة حيوانات أو شياطين أو أي شيء آخر في ضحاياهم، بل وصفوهم في اعترافاتهم بأنهم عائلات حاولت مواساة بعضها بعضاً على الرغم من الرعب الهائل، ومع ذلك أطلقوا النار عليهم وقتلوهم بلا هوادة”. ولكي يؤكد ما توصل إليه، يلجأ ماريوت إلى أمثلة تفيد بأن القتلة لم يكونوا غير واعين بما يقومون به، بل كانوا يعرفون تماماً أنهم يقتلون بشراً مثلهم، وما يحاول ماريوت تأكيده أن حصر المجازر بـ”نزع الصفة الإنسانية” تحت راية الأيديولوجيا كمعاداة السامية في الحالة النازية، يمنح العفو سلفاً عن الإجرام الشخصي لمن نفذوا أو أعطوا أوامر القتل، بخاصة أن هناك من بين المنفذين ضباطاً في الجيش لم يكونوا معادين للسامية، وفي مثال معاكس رفض جنود معادون للسامية تنفيذ الأوامر “القذرة”، بل وأصيب بعضهم بالانهيار العصبي قبل التنفيذ.

وما يحاوله الباحث الفرنسي في بحثه أن يؤكد أن المجازر الجماعية لا ترتكب بسبب أوامر من الأعلى بناءً على أيديولوجيا سامة فقط، بل ولأسباب تتعلق بمرتكبي المجازر نفسها، وهي أسباب شخصية ومهنية وتنفيذية، وهذا كله بهدف الرد على عالم الاجتماع الألماني هارولد ويلزر الذي يرى “أن الألمان في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي لم يكن لديهم المفاهيم الأخلاقية نفسها مثلنا وكانت أفعالهم القاتلة تتماشى مع تصورهم الذاتي”.

اترك رد إلغاء الرد