سعدي ضناوي في تكريمه: سبعون سنة من العطاء

تكريم الأستاذ الدكتور سعدي ضناوي لمناسبة عيد ميلاده الثامن والثمانين، يوم الثلاثاء 19 تموز 2022.

في جامعة الجنان، طرابلس، حيث تحدّث رئيس مجلس الأمناء د. سالم يكن، العميد هاشم الأيوبيّ، وقدّمت الحفل الدكتورة فرح الجمّ

كلمة د. جان توما

من جمالاتِ الدنيا وبركاتِ المولى، في زمنِ الاتصالِ الافتراضيِّ، أن تعيشَ حياتَك في اتصالٍ بأحدٍ؛ اتصالِ تلمذةٍ، واتصالِ زمالةٍ، واتصالِ رفقةِ عمرٍ مع عالمٍ غيرِ متشاوفٍ.
في اتصالِ التلمذةِ، أنتَ أمامَ قامةٍ، لا شاشةٍ، وأنتَ أمامَ وجهٍ، لا جزئيّةٍ، وأنتَ أمامَ كتابِ ورقٍ مفتوحٍ، تلفحُهُ خُبُراتُ عُمْرٍ، ولا تقطعُ إرسالَهُ ذبذباتٌ كَهْرُبائيَّةٌ، بل أنتَ باقٍ على تواصلٍ إنسانيٍّ.
وفي اتصالِ الزمالةِ، أنتَ أمامَ سورٍ من تراكمِ الخبراتِ، والخزانة الإبداعيّةِ المثمرةِ التي إنْ تناولْتَ ثمرةً منها، أغْرَتْكَ بدخولِ بساتينِ الفكرِ، وسهولِ المعرفةِ، وجلولِ الثقافةِ، فتصيرُ كالأيّائلِ طافرًا من جلٍّ إلى آخر، لتجتنيَ الخيراتِ في مواسمِ الحصاد.
وفي اتصالِ رفقةِ عُمْرٍ، أنتَ تستفيدُ من طيّباتِ ما رزقك إياه المولى مواهبَ ومهاراتٍ وقدراتٍ، فتتلاقى مع إمكاناتِ زملائكَ محبةً واستفادةً وتفاعلا.
سعدي ضناوي يختصرُ هذا الاتصالَ اللاسلكيَّ ببثٍّ مباشر منذ قصدتُهُ طالبًا إلى بيته، في بناية الـ 14, حيثُ حضّرتُ رسالةَ الماستر معه، يستقبلُك بوِدَاد مع “وَداد”، يفتحُ لك مكتبتَه، حتّى تستفيدَ بفرحٍ، لأنّه كانَ يفتحُ، للطلبةِ الباحثينَ، قلبَهُ وعقلَهُ ومِحْبِرَتَهُ.
دقيقا كان، وما زال، في التصحيح، يُشَطِّبُ، يوضِّحُ، ينرفزُ بابتسامتِه المعهودة، وإنْ شَعَرَ إنَّه أزعَجَكَ، ولم يكن مزعجًا، كان يناولُك من جيبِهِ حبةَ “البونبون”، ليرفعَ لك المعنوياتِ “بسُكَّرْ زيادة”، وليؤكِّدَ أنَّ حضورَكَ إلى بيتِهِ ودارِهِ، باحثًا ومُقمّشًا وساعيًا وراءَ معلومة، يستحق التقديرَ والطعمَ الطيّبَ وحبةَ مسكٍ… وزيادة.
سعدي ضناوي، القائمُ في حضرةِ الكلمةِ، تاجِ العروسِ، كيف لا ينظرُ إلى العالمِ كالمبحرِ في “محيط المحيط”، فيه المفرداتُ منثورةٌ، والشاطرُ من يجمعُ أطيَبها ويحوّلُها إلى عِقْدِ ياسمينٍ في أبجديةِ الإبداع. من هنا كانتْ له المنابرُ الثقافيّةُ والمجالسُ الفكريّةُ، بحثًا ونقاشًا ومراجعاتِ كتبٍ، فبنى شبكةً من العَلاقاتِ الحواريّةِ التي تحترمُ الآخر، ولا يُخْضِعُها إلى فحصِ دَمٍ، بل إلى فحصِ لغةٍ، فاللغةُ كاشفةٌ، بها عبر سعدي إلى شرايينِ المُحاورِ، في انفتاحٍ حضاريٍّ طافحٍ بالإيمانِ القلبيِّ والعقليِّ والجوّانيِّ الذي يقبلُ كلَّ رأيٍّ، ولو أدّى إلى اختلافٍ لا إلى خلاف.
كثر محبو سعدي، ويا لسعدِهِم، فوفاؤُه أهمُّ ما في حياتِهِ، والبحثُ عن الثقافةِ أهمُّ عندَهُ من تكديسِ الشهاداتِ، وهو إذا دعاكَ، أو دَعَوْتَهُ، إلى الإبحارِ معه في عَرْضِ المحيطِ، يأتيكَ بدولابِ إنقاذٍ، وبمرساةٍ استقرار، وبخشب طوف، حتّى إنْ طافَ المحيطُ، أو انسحب بسبب جَزْرِ تعبِ الأيامِ إلى أرصفةِ النوِّ والريح.
سعدي ضناوي الذي تتلمذْتُ عليه في الجامعة اللبنانيّة، وزاملتُهُ في جامعة الجنان، ورافقتُهُ في مسرى الأيام، كان قدوةً لي في أداءِ طقوسِ القراءةِ المدقَّقة، والكتابةِ المنهجيّةِ العلميّةِ المحقَّقة، وأقولُ لك: إنْ غبارَ تكاليفِ الزمانِ إنْ عَصْف، وإن تمادى هبوبُ الرملِ، في صحراءِ العمرِ، وتغلغلَ في الحَنجَرةِ، أعودُ، بالذاكرةِ، إلى حارةِ السقايين، وإلى حيّك الحرفيّ اليدويّ الخلآّبْ، حيث الهوا الغلاّبْ، فيبلّلُ ريقي طيبَ ما كانَ يخرجُ من يديك من رحيقِ الجلاّبْ. والسلام.

/رائد نيوز/

اترك رد إلغاء الرد