هل تنخفض أسعار النفط؟ إلى أين؟

توقع كثيرون أن تكون أسعار النفط  بين 125 و 150 دولاراً للبرميل في الوقت الحالي، وأن ترتفع لاحقاً إلى 200 دولار للبرميل. كان ذلك قبل الهجوم الروسي على أوكرانيا وقبل وجود أي أدلة على حدوث ذلك الهجوم.

الآن، وبعد وقوع الحرب وبعد العقوبات وبعد خسارة جزء كبير من النفط الليبي وانخفاضإنتاج النفط  النيجيري والنرويجي، تترواح الأسعار حول 100 دولار للبرميل. ما هو الخطأ في تلك التوقعات؟ نظرة سريعة إلى فرضيات هذه التوقعات توضح أنهم افترضوا عدم وجود أي طاقة إنتاجية فائضة في دول “أوبك”، وأن انخفاض المخزون الاستراتيجي يرفع الأسعار وهو في الحقيقة يخفض الأسعار، كما أنهم توقعوا انتعاشاً قوياً بعد إغلاقات فيروس كورونا.

كل هذه الافتراضات كانت افتراضات خاطئة. أضف إلى ذلك إغلاقات الصين بخاصة مدينة شنغهاي والسحب الكبير من المخزون الإستراتيجي  الأميركي، لهذا فشلت هذه التوقعات بشكل ذريع.
إذا افترضنا عدم وجود ركود اقتصادي حالياً، وعدم وجوده في المستقبل القريب فإن أساسيات السوق تشير إلى أن على أسعار برنت أن تتراوح بين 100 و 110 دولارات للبرميل. والمقصود بأساسيات السوق هنا العرض والطلب، وما يمثلهما من مخزون.


كان من أكبر أخطاء الذين توقعوا ارتفاع أسعار النفط إلى 150 و 200 دولار للبرميل أنهم ركزوا على انخفاض المخزون الكبير والتاريخي منذ العام الماضي، ولكنهم تجاهلوا الارتفاع التاريخي الذي سبقه، وأخطأوا في التركيز على التغير في المخزون لأنه لا يفيدنا بشيء في تقييم وضع السوق. الطريقة الأفضل هي النظر إلى معيار مستوى المخزون مقيماً بالطلب المستقبلي على النفط.

هذا المعيار يعطينا عدد الأيام التي يكفي فيها المخزون لمقابلة الطلب على النفط من دون أي إنتاج وواردات، ومن دون أي تغيير في نمط الاستهلاك. هذا المعيار الآن يشير إلى أن عدد الأيام حالياً في دول منظمة دول التعاون والتنمية (الدول المتقدمة) يماثل عدد الأيام تاريخياً قبل انهيار الأسواق في عام 2015. بعبارة أخرى هو الآن في مستواه التاريخي العادي. الحقيقة أن أسواق النفط كانت في وضع غير عادي منذ انهيار أسواق النفط في عام 2015.


الخلاصة هنا هي أنه ليس هناك نقص في الإمدادات بناءً على أساسيات السوق في الدول الصناعية. إلا أن كما هو معروف فإن أكبر نمو عالمي في الطلب على النفط ليس في دول “منظمة التعاون والتنمية” وإنما في الاقتصادات الناشئة والنامية، بخاصة في بلاد مثل الصين والهند.

مخزون الصين من النفط حالياً مرتفع بشكل كبير، ولو نظرنا إلى المعيار المستخدَم سابقاً لوجدنا أن عدد الأيام التي يغطي فيها المخزون الطلب على النفط أعلى من مستواه في عام 2019 بأكثر من 21 في المئة! وسبب ذكر 2019 هو محاولة عدم المقارنة بفترات الإغلاقات بسبب كورونا، ولأن نمو الطلب على النفط في الصين وقتها كان عالياً لدرجة أنه مثّل ثلثي نمو الطلب العالمي على النفط. أما الهند فإنه على الرغم من تزايد الطلب على النفط فيها بشكل كبير إلا أن مخزوناتها منخفضة نسبياً.


ولو نظرنا إلى مخزونات النفط التجارية في الولايات المتحدة نجد أنها ترتفع سواء كرقم أو بناءً على المعيار المذكور أعلاه. ويرى البعض أن هذا الارتفاع ما كان ليحصل لولا السحب من المخزون الاستراتيجي.

الحقيقة أن السحب من المخزون الاستراتيجي هو إمدادات إضافية كأنها زيادة في الإنتاج، ومن ثم فإن لها أثراً سلبياً في أسعار النفط. من ناحية أخرى، إذا لم يتم السحب من المخزون فإن مستوى الواردات سيزيد ومن ثم فإن العلاقة بين السحب من المخزون الاستراتيجي وارتفاع المخزون التجاري غير واضحة، إلا أن النتيجة واضحة تماماً، ليس هناك عجز في الأسواق.

موجة الحر… والركود الاقتصادي… وارتفاع الدولار

تجتاح أوروبا وآسيا موجة حر قاتلة في وقت تعاني فيه دول أوروبية عدة من الجفاف والحرائق. كل هذه الأمور تزيد من استهلاك الطاقة، إلا أن الموضوع ليس بهذه البساطة لأن مصادر الطاقة المختلفة بدائل لبعضها حسب أسعارها وتكاليفها. كما أن الخطر ليس فقط بزيادة الطلب عليها وارتفاع أسعارها، وإنما في اشتعال حدة المنافسة بين آسيا وأوروبا بحيث ترتفع الأسعار إلى مستويات قياسية بخاصة أسعار الغاز المسال.


ارتفاع أسعار الغاز المسال يؤدي إلى زيادة الطلب على الفحم، فترتفع أسعار الفحم من جهة وتزيد مستويات التلوث من جهة أخرى. كما أن الطلب على النفط سيزيد في بعض الدول.
في ضوء هذه المشكلات قد يتفاقم الأمر وتنقطع الكهرباء. إذا كان الانقطاع يغطي مناطق كبيرة ولفترة طويلة أو انقطاع متكرر، فإن هذا سيزيد التوليد الخاص بخاصة في بلاد مثل الصين. زيادة التوليد الخاص ترفع الطلب على المنتجات النفطية بخاصة الديزل.


تأتي كل هذه الأمور الرافعة لأسعار الطاقة في وجه الركود الاقتصادي أو التخوف من حدوثه وارتفاع الدولار الأميركي. فالركود الاقتصادي سيخفض الطلب على الطاقة بكافة مصادرها وسيخفض أسعارها. كما أنه سيرفع مستويات مخزون النفط والغاز، وقد يؤثر في توزان أسواق النفط في العام المقبل. وقد يسبب مشكلات لدول “أوبك+” إذا قامت الصين مرة أخرى بالسحب من المخزون الاستراتيجي لمنع أسعار النفط من الارتفاع.


وحتى من دون ركود، فإن الارتفاع الكبير في الدولار مقابل العملات الأخرى يخفض الطلب على النفط لأن النفط يُسعَّر بالدولار، وكلما ارتفع الدولار  ارتفعت فاتورة واردات الدول التي تنخفض عملاتها أمام الدولار.


في وجهة هذه القوى المتعارضة فإن النماذج الرياضية تشير إلى أن أسعار النفط ستترواح في مستوياتها الحالية إلا أنها ستنخفض إذا تم تأكيد وجود ركود اقتصادي. ويختلف الخبراء(كالعادة) في مستوى الانخفاض، إلا أن هناك اتفاق ضمن الأغلبية إلى أن الأسعار لن تنخفض عن مستوى 60 دولاراً للبرميل.

/ اندبندنت عربية /

اترك رد إلغاء الرد