القطب الشمالي بلا جليد عام 2050

نخسر من الجليد البحري في القطب الشمالي  بمعدل 13 في المئة تقريباً كل عقد، فعلى مدار 30 سنة ماضية، انخفض أقدم وأسمك جليد في القطب الشمالي بنسبة صادمة بلغت 95 في المئة، وفي حال استمرت الانبعاثات في الارتفاع من دون رادع، فقد يكون القطب الشمالي خالياً من الجليد تماماً قبل حلول عام 2050.

والحقيقة أن هذه القضية ليست مستجدة، ولو أن الحديث عنها تصاعد في السنوات الأخيرة، فالتحذيرات مما سيؤول إليه الوضع في القطب الشمالي، تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، ومن ثم تكثف الحديث عنها في بدايات القرن الواحد والعشرين، وانتشرت الدعوات إلى البدء باتخاذ إجراءات حقيقية فيما يتعلق بظاهرة التغير المناخي  وتأثيرها على مستقبل الأرض ككل، محذرة من اختفاء الجليد تماماً من القطب الشمالي للكرة الأرضية.

2050 كحد أقصى

وعلى الرغم من تفاوت التوقعات الحالية بخصوص الموعد النهائي، فإنها تتفق جميعها على حدوث الذوبان الكلي بين 2035- 2050 كحد أقصى، مسبباً سلسلة من التأثيرات المتلاحقة البعيدة المدى، فالمشكلة الأكثر خطورة اليوم أن ما يُتنبّأ حدوثه في القطب الشمالي لن يقتصر تأثيره على القطب الشمالي وحده، بل سيمتد ليشمل جميع أنحاء الكوكب.

وقد أظهرت الصور الملتقطة من قبل “ناسا” أن التفكك يحدث بالفعل، وبشكل أسرع بكثير مما تنبّأت به أسوأ التوقعات.

فالتوقعات التي بدأت منذ عشرات السنين، ووضعت عام 2060 موعداً محتملاً لاختفاء الجليد من القطب الشمالي، كانت متفائلة بعض الشيء، ربما بسبب الارتفاع غير المتوقع في الحرارة أيضاً.

ووفقاً للعلماء في المركز القومي لبيانات الجليد والثلوج (مركز دعم البحوث القطبية والغلاف الجليدي)، يُعتقد أن متوسط مساحة الجليد البحري في القطب الشمالي وصل إلى أقصى حد له هذا العام، نحو 14.88 مليون كيلومتر مربع في فبراير (شباط) الماضي، وهو رقم أولي بطبيعة الحال.

ماذا يعني ذلك؟

ستتنوع جوانب التأثير لتشمل نواحٍ عدة في قضية المناخ، ولن يستثنى منه لا طبيعة ولا بشر، ولا أي كائنات أخرى، وإذا بدأنا بتوقع أثره على الحيوانات، سنجد أن الحيوانات التي تعتمد على الجليد البحري ستكون في حال فقدان الجليد وذوبان التربة الصقيعية أمام خيارين لا ثالث لهما، إما التكيف للبقاء أو الموت، إذ ستتأثر بشكل مباشر مجموعة كبيرة من الأنواع كالدبب القطبية والثعالب القطبية والبوم الثلجي والرنة والفظ (أكبر حيوان في مجموعة الثدييات البحرية)، وعديد من الأنواع الأخرى.

من جهة أخرى، يخزّن جليد القطب الشمالي والتربة الصقيعية كميات كبيرة من الميثان، وهو واحد من الغازات الدفيئة التي تسهم بشكل مباشر في تغير المناخ، وعندما يذوب الجليد، يتم إطلاق هذا الغاز، مما يزيد من معدل الاحترار، وهذا بدوره يتسبب في ذوبان مزيد من الجليد والتربة الصقيعية، الأمر الذي سيؤدي إلى إطلاق مزيد من الميثان، ومن ثم مزيد من الذوبان، وهكذا.

موجات حر

سيظهر التأثير الأوضح على شكل موجات حر شديدة ستجتاح العالم، ويطلق العلماء على كل من القطبين الشمالي والجنوبي اسم “ثلاجة العالم”، كونهما الجزأين المغطيين بالثلج والجليد، واللذين يقومان بعكس البرودة مرة أخرى إلى الفضاء، وبذلك يوازنان بشكل ما الحرارة التي تمتصها الأجزاء الأخرى من العالم، بالتالي فإن انخفاض الجليد يعني انعكاساً أقل للبرودة، مما يعني موجات حر أكثر شدة في جميع أنحاء العالم.

والمفارقة أن هذا الأمر سيتسبب في الوقت ذاته بقدوم فصول شتاء أكثر قسوة، والتفسير هنا أن الهواء الشديد الدفء سيزعزع استقرار التيار النفاث القطبي polar jet steam (رياح شديدة الضغط تدور حول منطقة القطب الشمالي) الذي يمكن أن ينخفض باتجاه الجنوب، مصحوباً ببرد قارس.

تهديد حقيقي

وتتحدث الإحصائيات عن ارتفاع متوسط مستوى سطح البحر 7-8 بوصة (نحو 17 سم)، وهذا الارتفاع في منسوب مياه البحار سيفاقم الفيضانات الساحلية والعواصف، الأمر الذي يزيد أكثر من خطورة الظواهر المناخية والجوية، ليتحول الأمر إلى تهديد حقيقي للمدن الساحلية وشعوب الجزر الصغيرة.

ويعد ذوبان الغطاء الجليدي في غرينلاند (منطقة بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي)، مؤشراً رئيساً لارتفاع مستوى سطح البحر في المستقبل، والذي يمكن أن يتسبب، إذا ما انصهر بالكامل، بارتفاع منسوب مياه البحار 20 قدماً (نحو 600 سم).

كما أن موجات الحر المتزايدة والدوامات القطبية (منخفض جوي عالي المستوى يحيط بأحد قطبي الأرض) وعدم القدرة على التنبؤ بالطقس، الناجمة جميعها عن فقدان الجليد، ستسبب أضراراً كبيرة في المحاصيل التي تعتمد عليها الأنظمة الغذائية العالمية، لتؤدي حالة عدم الاستقرار هذه إلى الزيادة المستمرة للأسعار، بالتالي زيادة الأزمات، بخاصة بالنسبة إلى الفئات الأكثر ضعفاً والجماعات السريعة التأثر في العالم.

/ إندبندنت عربية /

اترك رد إلغاء الرد