وزير العمل :خطوة لحماية العمالة الوطنية

منذ عام 2018، يعيش لبنان انهياراً متسارعاً في القطاعات كافة انعكس ركوداً اقتصادياً أوقف العجلة الإنتاجية  وشل المؤسسات العامة، وما تلاها من تعاظم أزمة التشغيل في البلاد. لم تظهر محاولات جدية لتقديم حلول جذرية لتلك الأزمة، خصوصاً بعد فشل البلاد في الاتفاق مع صندوق النقد الدولي بسبب عدم القيام بالإصلاحات الهيكلية والقطاعية.

في موازاة ذلك، برزت بعض الخطوات الجدلية التي تم التسويق لها من خانة حل أزمة العمالة  الوطنية، وحمايتها من المنافسة الأجنبية، ويأتي في مقدمة ذلك، قرار وزير العمل مصطفى بيرم “حصر 126 مهنة باللبنانيين”.

اختلفت تقييمات ووجهات النظر حول قرار كهذا، فهو من ناحية تدبير حمائي يصعُب تطبيقه في ظل غياب مؤسسة تفتيش العمل وازدهار سوق العمالة غير الشرعية، في المقابل، نحن نشهد على تراجع كبير في أعداد العمالة الأجنبية، كما أن عدداً كبيراً من المؤسسات أقفلت أبوابها أو تقترب من ذلك، بالتالي لا قيمة لإجراءات لا تؤمن فرص عمل جديدة للبنانيين.

الأمر الذي تتحوّل معه القرارات الحكومية إلى أداة لحرف النظر عن جوهر الأزمة الحقيقي، بسبب عدم وجود فرص عمل مع غياب الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي في البلاد.

حصر المهن باللبنانيين ليس بالجديد

مبدأ حماية العمالة الوطنية وتوطينها من المبادئ الشائعة في كثير من البلدان، ومن ضمنها لبنان. فقد اعتاد المشرعون على سن قوانين تشترط الجنسية اللبنانية لبعض الأعمال كالوظائف العامة والمهن الحرة، وكذلك الوزراء من خلال إصدار قرارات تحصر المهن بالمواطنين الحاملين للجنسية.

وكان قرار وزير العمل مصطفى بيرم الذي يحمل الرقم 96\1 ليمر مرور الكرام، لولا المادة الثانية منه التي استثنت من المنع “الفلسطينيين المولودين في لبنان والمسجلين بشكل رسمي في سجلات وزارة الداخلية والبلديات، والأجنبي الذي تكون والدته لبنانية أو متزوجاً من لبنانية، والمولودين في لبنان من حملة بطاقة مكتومي القيد، مع التقيد بالشروط الخاصة بالمهن المنظمة بقانون”.

أدى ذلك إلى تعرضه للاستهداف وصولاً إلى طلب الطعن به لدى مجلس شورى الدولة الذي يلعب مهام القضاء الإداري في لبنان، وصولاً إلى القرار رقم 93 الصادر بتاريخ 3 شباط (فبراير) 2022، والذي نص على وقف تنفيذ القرار حول الإجازة للفلسطينيين المولودين في لبنان ممارسة المهن التي حصرها القانون باللبنانيين فقط.

وإذا ما قارنّا القرار الذي صدر عن بيرم بذاك الصادر عن الوزير السابق محمد كبارة بتاريخ 15 فبراير 2018، نجد أن القرار السابق تضمن الإشارة إلى عدم شمول استثناء الفلسطينيين “المهن الحرة وسائر المهن المنظمة بنص قانوني ويحظر ممارستها من غير اللبنانيين”، على سبيل المثال: المحاماة، والطب، والهندسة.

ويتضح أن قرار حصر المهن بالمواطنين ليس بالجديد، وإنما يأتي في سياق إعطاء الأفضلية والامتياز للمواطن بالقيام ببعض المهن دون حاملي الجنسيات الأخرى. ولكن ذلك لا يُغني عن اتخاذ خطوات جدية لتأمين وظائف جديدة لليد العاملة الوطنية، ورفع مهارتها وكفاءتها عن طريق التأهيل والتدريب المهني المستمر، وهذا من الأمور التي لا تزال غائبة عن لبنان.

المهن المحصورة باللبنانيين والقائمة تطول

تضمن قرار وزارة العمل 12 فئة من المهن المحصورة باللبنانيين، بداية من “الأعمال كافة أياً كانت طبيعتها لدى الإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات”. وهذا يأتي تكراراً لما جاء بقانون الموظفين الذي يشترط الجنسية اللبنانية لممارسة الوظيفة العامة، وربما المقصود هنا توسيع المهام لتشمل تلك المتعلقة بأعمال التنظيف والصيانة وغيرها.

كذلك المهن المنظمة بقانون والتي يحصر الحق بممارستها للمنتسبين إلى النقابة المهنية، جميع الأعمال التجارية والاستيراد والتصدير، الأعمال المتصلة بالمهن السياحية بكافة أنواعها، جميع الأعمال في القطاع المصرفي، المالي، المحاسبي وقطاع التأمين، الأعمال الإدارية بكافة أشكالها أياً كانت المؤسسة أو الشركة،

الأعمال المتصلة بالقطاع الصحي، الأعمال المتصلة بالمهن التربوية في التعليم ما قبل الجامعي والمهني والتقني، الأعمال ذات صلة بالإعلام والإعلان باستثناء المراسل، قطاع البناء والأشغال إلا إذا كان صاحب العمل شركة، وكان العمّال مسجلين باسم الشركة وضمن النسب المقررة في الأنظمة المرعية الإجراء، المهن الحرفية غير المنظمة بقانون كصناعة المجوهرات وبيعها، كوي وغسيل الملابس، صالونات الحلاقة، أعمال الطباعة، الصيد البحري محطات المحروقات، بيع وإتجار الخضروات، التصوير الفوتوغرافي، صناعة المفروشات، صيانة وتصليح وتشغيل وبرمجة وتمديد شبكة الإنترنت وغيرها، المهن الخدماتية كالحاجب والحارس، عمال التوصيلات، الباعة في المحلات والأفران، وأخيراً “وبصورة عامة جميع الأعمال والمهن التي يتوافر عمّال لبنانيون لإشغالها”.

يلاحظ أن القرار الصادر في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، توسّع في تعداد المهن المحصورة باللبنانيين، إلا أن مجموعة من العوائق تواجه قرار كهذا.

فمن ناحية، ما الضمانات لعدم ممارسة الأجانب لبعض المهام من خلال الاستعانة بشركاء صوريين ظاهرين من اللبنانيين، وفي الحقيقة يكون التاجر الحقيقي الذي يمارس الاستيراد والتصدير من الأجانب. من ناحية أخرى، تسيطر بعض الجنسيات على بعض المهن في ظل غياب يد ماهرة لبنانية في هذا المجال، على سبيل المثال قطاع الزراعة والبناء.

كما أن فضاء الإنترنت الواسع قد يشكل تحدياً بسبب الإقبال على طلب خبرات فنية أجنبية منخفضة الكلفة من خلال التعاملات من بُعد. وماذا عن دوامات تعليم السوريين بعد الظهر في ظل حصر التعليم باللبنانيين؟ كما أن استمرار الحد الأدنى الرسمي للأجور عند مستوى منخفض مقارنة بانهيار العملة 675 ألف ليرة أي حوالى 22 دولاراً، سيدفع العمالة الوطنية وجزءاً كبيراً من الأجنبية للامتناع عن ممارسة المهن الدُنيا.

الأزمة أعمق من قرارات فردية

يبدو أن أزمة التشغيل في لبنان أعمق من قرار يحصر بعض المهن باللبنانيين، في ظل غياب النمو الاقتصادي، ما يجعل الأفق مسدوداً بالنسبة للمواطن اللبناني والمقيم. واعتبر البعض أن “القرارات المتكررة استهداف لفئات محددة من الأجانب ما زالوا مقيمين على الأراضي اللبنانية”.

وفي هذا السياق، يمكن الحديث عن تراجع كبير في إجازات عمل الأجانب في لبنان. واستناداً لبيانات وزارة العمل، يمكننا المقارنة بين أرقام 2019 و2021 لاستنتاج بعض النقاط. في عام 2021 بلغ عدد الأجانب الذين حصلوا على إجازات عمل 77 ألفاً و548 من مختلف الجنسيات، وذلك في تراجع كبير عن عام 2019، حيث بلغ عدد الإجازات المجددة الموافق عليها الممنوحة للأجانب، 203 آلاف و263 عاملاً أغلبيتهم عمال في الخدمة.

كما شهدت مؤشرات البطالة ارتفاعاً بين السنتين. فبحسب مسح القوى العاملة التي قامت به إدارة الإحصاء المركزي بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، فقد سجّل “المقياس المركب لقصور الاستغلال الناقص للعمل”، الذي يشير إلى عدم تطابق بين العرض والطلب على اليد العاملة، ارتفاعاً من 16.2 في المئة في عامي 2018-2019، إلى 50.1 في المئة في عام 2022، وذلك يعني أن نصف القوى العاملة الموسعة بحاجة إلى إيجاد فرص عمل، (يُعنى بالقوى العاملة الموسعة: القوى العاملة مضافاً إليها القوى العاملة المحتملة أي الباحثة عن العمل).

في موازاة ذلك، جاء تقرير اليونيسف تحت عنوان “البحث عن الأمل” الصادر في 28 يناير (كانون الثاني) 2022، ليسلط الضوء على أن “الأزمة في لبنان، تجبر الشابات والشبان على نحو متزايد، على ترك التعليم والانخراط في عمالة غير رسمية وغير منتظمة، والقبول بأجورٍ متدنية في سبيل البقاء على قيد الحياة، ومساعدة أسرهم على مواجهة التحديات المتزايدة”.

وأفاد التقرير بأن 4 من كل 10 شبان أو شابات في لبنان، خفضوا نفقات التعليم من أجل شراء المستلزمات الأساسية، وانقطع 3 من 10 عن التعليم كلياً. ليخلص إلى أنه يمكن أن يؤدي انقطاع هؤلاء عن التعلم إلى آثار كبيرة على مستقبلهم التعليمي، وعلى آفاق العمل الذي قد ينخرطون فيه على المدى البعيد. كما أنه في ظل الأزمة، غالباً ما يجد هؤلاء أنفسهم غير مهيئين للمنافسة على “الوظائف القليلة المتاحة”، وقد ينتهي بهم الأمر في أحيان كثيرة إلى القبول بأجر منخفض في قطاع غير نظامي.

بالتالي يرى مراقبون أن البلاد أمام معادلة فرص محدودة، حاجات متزايدة، سوق عمالة غير شرعية، واستغلال للعمالة في ظل غياب مؤسسات الرقابة والتفتيش الرسمية.

حقوق الإنسان مقدمة على السياسة

لا تستقيم قرارات حصر المهن بالمواطنين الحاملين للجنسية اللبنانية مع المقاربة الحقوقية، وبحسب الباحث عصام ريدان (المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظفين)، فإنه يدعو إلى بحث المسألة من منظور حقوق الإنسان ومعايير العمل اللائق بغض النظر عن مسألة الهوية الوطنية للعامل، لا سيما وأن “لبنان يتبنى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في الفقرة (ب) من مقدمة الدستور اللبناني.

كما التزم بالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية منذ عام 1972″. لذلك، يضع قرارات كهذه ضمن الفئة المخالفة للمبادئ الدستورية والأخلاقية والإنسانية. وعن إصدار القضاء الإداري قراراً بوقف تنفيذ المواد التي تمنح المساواة للفلسطيني المولود على الأراضي اللبنانية، يقول ريدان “للأسف في العهد الحالي بعض القضاء أصبح مسيساً، ويفتقر إلى الالتزام بأحكام الدستور والقوانين والاتفاقيات الدولية”.

مقاربة شاملة لسوق العمل

من جهته يشير سعيد عيسى الباحث في القضايا العمالية، إلى أن “القرار ليس بجديد وإنما تكرار لقرارات سابقة، في محاولة لحل أزمة التشغيل في لبنان وتحديداً البطالة. ولكن ذلك يتطلب وجود معايير رقابية مشددة، ودائرة تفتيش كفوءة وناشطة في وزارة العمل على مستوى لبنان”. إلا أن ذلك غير متيسر، لأنه “في ظل بطالة تتجاوز 40 في المئة لا يمكن لقرارات كهذه حل المشكلات، ولا بد من سياسات اقتصادية عامة، وسياسات عمل ذات صلة، ذات طابع استثماري في القطاعات المنتجة كالزراعة والصناعة بعيداً من الاقتصاد الريعي”.

لذلك تدفع الظروف الراهنة وزارة العمل إلى التشكيك في فاعلية قرارات كهذه، في ظل غياب مؤسسة التفتيش إلى النقص في الكوادر البشرية، ومحدودية القدرة على الحركة في ظل إضراب موظفي القطاع العام وعدم التحاق عدد كبير من الموظفين بمراكز عملهم. ويعتقد عيسى أن “القدرة التفتيشية للوزارة بالكاد يمكنها تغطية بعض المؤسسات”.

/ اندبندت عربية /

اترك رد إلغاء الرد