هل اللبنانيون “رهائنٌ” لدى إيران؟

/ابراهيم ريحان- أساس ميديا/

هي ليست عملية هجوميّة ضدّ حقل كاريش، بل ضدّ لبنان وما تبقّى من  مؤسسّاته. صحيحٌ أنّ الطائرات الثلاثة التي أرسلها حزب الله حلّقت فوق حقل “كاريش”  شمال فلسطين، لكنّ تحليقها لم يكن لبنانيّاً لا في الجغرافيا ولا في السّياسة ولا في التّوقيت، الذي كان بلا ريْب على ساعة الحرس الثّوريّ الذي يتّجه نحو تصدير أزماته الأمنيّة.

وإن تبرّأ الحزب في بيانه من “النيّة الهجومية” مُؤكّداً أنّ المُسيّرات “غير المُسلّحة” تحمل “رسالةً”، إلّا أنّ ما فعله لا يخدم موقف لبنان التّفاوضيّ لعدّة أسباب، أهمّها أنّ رئيس الجمهوريّة ميشال عن لم يُوقّع تعديل المرسوم 6433، وبالتّالي فإنّ خطّ لبنان التّفاوضيّ هو الخطّ 23 وليسَ 29 الذي يصل إلى حقل كاريش.

هُنا لا حجّة لحزب الله، ولا بأيّ شكلٍ، للقيام بهذه العمليّة. فبحسب المرسوم 6433 فإنّ حقل كاريش خارج المنطقة الاقتصاديّة اللبنانيّة، وخارج السّيادة اللبنانيّة. وبالتالي فإنّ حزب الله لم تكن عمليته “دفاعية” عن لبنان بل “هجومية” فوق أجواء فلسطين المحتلّة. تماماً كما كانت عملية 12 تموز 2006 داخل الخط الأزرق، أي في فلسطين المحتلّة، بحسب ما وافقت الدولة اللبنانية وصادق حزب الله من خلفها ومن أمامها في لحظة ترسيم الخطّ الأزرق.

الحُجّة المفقودة للتحليق فوق كاريش، مفقودة أيضاً في الهجوم الذي شنّه حزب الله على موقف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير الخارجيّة عبدالله بوحبيب، اللذين أدانا العمليّة التي نفّذها الحزب يوم السّبت الماضي، في تصريح رسمي من الوزير بوحبيب. وقيل إنّ ميقاتي “كظم” موقفه العالي بعد اتصالات حزبية “هدّأته”.

لعلّ أهمّ ما ورد في بيان وزير الخارجيّة، كانت عبارة “المسيرات الثلاث التي أطلقت في محيط المنطقة البحرية المتنازع عليها”. يؤكّد استخدام الوزير بو حبيب عبارة “مُحيط المنطقة” أنّ حقل كاريش بات خارج النّزاع بعد أن التزم لبنان عدم المُطالبة بالخطّ 29. وبعدما قال رئيس الجمهورية مراراً، آخرها في مقابلة مع جريدة “الأخبار” بتاريخ 12 شباط 2022، أنّ “الخطّ 29 هو خطّ تفاوض”، وبالتالي فإنّ لبنان يعترف أنّ مسيّرات حزب الله حلّقت فوق مياه فلسطين المحتلّة وليس فوق مياهٍ تعتبرها الدولة اللبنانية منطقة لبنانية.

ماذا في خلفيّات الهجوم؟

بحسب معلومات “أساس”، فإنّ الجيش اللبنانيّ أعدّ دراسةً للمنطقة التي تعمل فيها المنصّة اليونانيّة، وجاءت نتيجة الدّراسة أنّ المنصّة اليونانيّة تعمل شمال الخطّ 29، أيّ في المنطقة الاقتصاديّة التي تُسيطر عليها إسرائيل. وفي أسوأ الأحوال، لو أنّ لبنان اعتبر الخطّ 29 خطّ حدوده (وهذا ليس الواقع) فإنّ فإنّ آلة الحفر الإسرائيلية تعمل شمال هذا الخطّ.

بحسب معلومات خاصّة لـ”أساس”، فإنّ أحد كبار المسؤولين في حزب الله طلَبَ من الجيش نسخةً عن هذه الدّراسة. بعد اطلاع مسؤولي الحزب عليها، وتأكّدهم من أنّ المنصّة تعمل في المياه الفلسطينيّة المُحتلّة وليس ضمن المياه اللبنانيّة، قال المسؤول في حزب الله لقيادة الجيش: “ريّحتونا”.

الرّاحة هذه ليسَت من فراغ. إذ إنّ حزب الله لا يريد خوض مواجهة مع تل أبيب، لكن للحزب أجندة تبعد 1830 كلم عن لبنان، وتحديداً في طهران.

يؤكّد التزام الحزب بأجندة إيران أنّ ما قامَ به من استعراضٍ جويّ تجاوزَ الحدود الجنوبيّة، وهو يُخالف كلّ رسائل التطمين الدّاخليّة التي أكّدها حزب الله أمام القوى السّياسيّة بأنّه لا يريد حرباً مع إسرائيل. هنا كادَ لبنان أن يستحضر مجدداً سيناريو اختطاف الجنديين الإسرائيلييْن من وراء الخطّ الأرزق في تموز 2006، وحتماً كادَ يستعيد معها سيناريو “لو كنتُ أعلمَ”، لولا أنّ اللحظة الدّوليّة وخصوصاً الأميركيّة لا تريد أن تشهدَ حرباً جديدة في الشّرق الأوسط.

لكن ماذا أراد حزب الله سياسياً من عمليّته التي تبنّتها مجموعتا “الشهيديْن جميل سكاف، ومهدي ياغي”، بحسب بيان الحزب:

أوّلاً: استغلّ حزب الله اللحظة المناسبة، أي من دون التسبّب بأيّ تصعيد، ليقول للدّاخل اللبنانيّ، وخصوصاً لبيئته التي تململت من عدم تدخّل الحزب بعد وصول المنصّة Energean Power إلى حقل كاريش، في رسالة رفع عتبٍ إنّه “يلتزم الدّفاع عن الحدود”.

كذلك أراد الحزب أن يرفع معنويّات بيئته. إذ جاءَ الهجوم بعد أيّامٍ قليلة من نشر وسائل إعلام تابعة له خبراً عن وصول دفاعات أميركيّة إلى منطقة كاريش، وتبيّن فيما بعد أن لا وجود للجيش الأميركيّ هناك. كأنّه أراد القول لبيئته إنّه يتحدّى تل أبيب وواشنطن معاً.

ثانياً: يشيرُ استخدام الحزب لطائرات تجسّسيّة لا هجوميّة، إلى أنّه لا يريد استفزاز الجيش الإسرائيلي، ومعه الولايات المُتحدة وأوروبا المُستفيد الأوّل من الغاز الإسرائيلي في ظلّ أزمة الطّاقة العالميّة ومحاولة الاتحاد الأوروبي الابتعاد قدر الإمكان عن الاعتماد على الغاز الرّوسيّ.

ثالثاً: بحسب معلومات “أساس”، فإنّ الحزب استخدم طائرات غير متطوّرة بشكلٍ مُتعمَّد، وذلك لفحص مدى جهوزيّة الدفاعات الإسرائيليّة في محيط حقل كاريش. إذ إنّها المرّة الأولى التي يعترض فيها الجيش الإسرائيليّ طائرات للحزب باستخدام صواريخ “باراك” التي تُطلَق من على متن البوارج الحربيّة.

تتقاطع مع هذه المُعطيات مؤشّراتٌ أخرى تزامنت عمليّة حزب الله معها. إذ تأتي العمليّة بعد أيّام قليلة من زيارة رئيس المكتب السّياسيّ لحركة حماس إسماعيل هنيّة للبنان، ولقائه الأمين العام لحزب الله السّيّد حسن نصرالله، وتحدُّثه عن وحدة الجبهات بين فصائل محور إيران، وبحث الطّرفين مسألة حقل كاريش.

ليسَت زيارة هنيّة هي الحدث الوحيد المُتزامن. إذ كان الوسيط الأميركيّ آموس هوكشتاين قد زار تل أبيب قبل أيّام قليلة وتحدّث عن إمكانيّة استئناف المُفاوضات بين لبنان وإسرائيل قريباً. وفي معلومات “أساس” فإنّ هوكشتاين سيزور إسرائيل ضمن الوفد المُرافق للرّئيس جو بايدن بعد أسبوعيْن، وسيكون ملفّ الترسيم حاضراً بقوّة في محادثات بايدن في القدس المُحتلّة.

يُضاف، إلى ما سلف، العمل الذي تقوم به إيران لإعادة ترتيب صفوف محورها عقب ضربات استخباريّة إسرائيليّة طالت قياديين في الحرس الثّوريّ ومنشآت تصنيع صواريخ ومسيّرات تابعة له.

رابعاً: أطلق المفتي أحمد قبلان ما يشبه “الطائرة الرابعة” أمس، حين ربط بين عملية الحزب وبين مؤتمر وزارة الخارجية العرب في بيروت، ليقول: لا يمكن صناعة التاريخ بعيداً من 3 مسيّرات استطلاعية تذكّر وزارء الخارجية العرب بتاريخ العرب”.

هنُا يُمكن القول إنّ الطّائرات الثلاثة أصابت إشارات “الطّمأنة” التي حاول وزراء الخارجيّة العرب إرسالها إلى لبنان

خامساًجاءَ الهجوم عقب إصابة مُحادثات الدّوحة النّوويّة بين إيران والمجموعة الدّوليّة بالشّلل بعد أن بدأت عرجاء. فالتصريحات الأميركيّة والمعلومات الخارجة من هذه الجلسة لم تكن على قدرِ آمال الأطراف المعنيّة والوسطاء.

سادساً: يعكس الهجوم منطقاً إيرانيّاً مخالفاً لكلّ ما تشهده المنطقة من مساعٍ عراقيّة يقوم بها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لرأب الصّدع بين الدّول العربيّة وتحديداً السّعوديّة من جهة، وإيران من جهة أخرى، وكذلك لتخفيض منسوب التّوتّر في الشّرق الأوسط.

سابعاً: يسابق الهجوم الزيارة التي سيقوم بها الرّئيس الأميركيّ جو بايدن إلى السّعوديّة، ولقاءَه المُرتقب مع القادة العرب في مدينة جدّة. واستخدام المُسيّرات في الهجوم هو رسالة لحلف “الدّفاع الجوّي” الذي ينوي بايدن عقده بين العرب وإسرائيل.

ثامناً: على الصّعيد الدّاخليّ، يأتي الهجوم في ظلّ مراوحة في ملف تشكيل الحكومة، وهو بلا شكّ مخالف ومعاكس لهذه المساعي، الأمر الذي أغضب الرّئيس المُكلّف نجيب ميقاتي. وهو أيضاً مُخالفٌ لكلّ محاولات التفاوض مع صندوق النّقد الدّوليّ، والذي يُشكّل استقرار لبنان أحد مطالبه غير المُعلنة.

ردّ الفعل الإسرائيليّ

مع تعمّد الحزب عدم تسليح المُسيّرات، والقول لإسرائيل إنّ مهمّته ليسَت هجوميّة، كان ردّ الفعل الإسرائيلي، أقلّه حتّى كتابة هذا التقرير، متوقّعاً وليسَ خارجاً عن قواعد الاشتباك. إذ إنّ الحزب لم يستهدف المنصّة، ولم يستخدم سلاحاً كاسراً للتوازن مثل الصّاروخ الرّوسيّ “ياخونت” الذي يُستخدم لضرب الأهداف البحريّة.

تجدر الإشارة إلى أنّ صاروخ “ياخونت”، الذي حصل عليه حزب الله عبر سوريا، هو صاروخ كروز أسرع من الصّوت قادرٌ على مراوغة الرّادارات والدّفاعات الجويّة بسبب تحليقه المنخفض (10 أمتار)، وقد يصل ارتفاع الطيران إلى 14 ألف متر، وتصل سرعته الفائقة إلى 750 متراً في الثانية. يراوح مداه من 120 إلى 300 كلم، وبعض النّسخ المعدّلة يصل مداها إلى 600 كلم. وهو ذو رأس حربيّ زنته 250 كلغ من الموادّ الشديدة الانفجار.

جاء أوّل ردّ فعلٍ إسرائيليّ على لسان رئيس الحكومة الإسرائيليّة يائير لابيد الذي قال إنّ “إسرائيل تعرف كيف تستخدم القوّة في وجه كلّ تهديد”. وعلى الموجة نفسها، كان وزير الدّفاع في حكومة الائتلاف المُترنّح بيني غانتس يقول إنّ “إرسال الطائرات يقوّض التّوصّل إلى اتفاق مع لبنان، وسنستمرّ بحماية حقوقنا، ونعتبر أنفسنا ملزمين، ولنا الحقّ في الرّدّ”.

أمّا موقع “والاه” العبريّ، فعلّق على الهجوم بالقول إنّ تكلفة الطائرات المُسيّرة التي أرسلها حزب الله رخيصة مقارنة بكلفة الصّواريخ الاعتراضيّة، وكشف عمّا سمّاه “مخاوف لدى المؤسّسة الأمنيّة العبريّة من المزيد من الهجمات”.

جسّ نبض ورفع عتب… ولا مواجهة.

لا مواجهة مفتوحة تحملها أجنحة المُسيّرات المنزوعة السّلاح. لكنّ اللعب على حافّة الهاوية ليسَ سهلاً، إذ تقف المنطقة كلّها على شفير برميل بارود ينتظر صاعقاً لينفجر. كما أنّ التلاعب بقرار الحرب والسّلم، وكأنّ اللبنانيين رهائن لدى طهران قد يأخذنا إلى ما لا تُحمَد عقباه.

اترك رد إلغاء الرد