مسيرات “حزب الله” تهدد أمن الطاقة لأوروبا

/وليد شقير- اندبندنت عربية/

هل ستمر عملية المسيّرات الثلاث غير المسلحة التي أطلقها “حزب الله” باتجاه حقل “كاريش” والتي أسقطتها إسرائيل في 2 يوليو (تموز) على خير، أم أن تداعياتها ستستمر بالتفاعل في الأيام والأسابيع المقبلة فصولاً، على الأصعدة الدولية والإقليمية والمحلية، لا سيما بعد البيان الذي صدر عن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ووزير الخارجية عبد الله بوحبيب، وأكد أن “لبنان يعتبر أن أي عمل خارج إطار مسؤولية الدولة والسياق الدبلوماسي الذي تجري المفاوضات في إطاره (على ترسيم الحدود البحرية) غير مقبول ويعرضه لمخاطر هو في غنى عنها”؟

الضغوط الأميركية وماكرون وتهديد لبيد 

على الرغم من إسقاط إسرائيل للمسيّرات الثلاث، فإن المخاطر برزت من خلال استنفار أميركي بعد ساعات قليلة على ذلك، في اتصالات مع كبار المسؤولين اللبنانيين، تولاها كبير مستشاري وزارة الخارجية الأميركية لأمن الطاقة آموس هوكشتاين والسفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا، طلبا خلالها صدور استنكار وتبرؤ لبنانيين من العملية خشية حصول تصعيد عسكري ينسف المفاوضات التي كانت ظهرت إشارات إيجابية لاستئنافها بين البلدين. وبموازاة ذلك اتهمت إسرائيل “حزب الله” بالسعي إلى منع السلطات في لبنان من إنجاح المفاوضات، ثم أثار رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد يائير لبيد في لقائه مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساء 5 يوليو الأمر، فدعا الأخير إلى “تجنب أي عمل من شأنه أن يهدد العملية الجارية بين لبنان وإسرائيل بشأن قضية الغاز الشائكة”، بحسب “وكالة الصحافة الفرنسية”.

وقال الرئيس الفرنسي للصحافيين وإلى جانبه لبيد: “للبلدين مصلحة في التوصل إلى اتفاق يسمح باستغلال الطاقة لصالح الشعبين”. واستبق لبيد وصوله إلى فرنسا بتصريح قال فيه، إنه سيثير التصعيد مع ماكرون، وأن إسرائيل “لن تسمح بمثل هذه الغارات على سيادتها، وكل من يقوم بذلك عليه معرفة أنه يعرض سلامته لخطر كان من الأفضل له تفاديه”. وطالب الحكومة بـ”العمل على كبح جماح حزب الله أمام هذه الاعتداءات… وإلا فسنضطر نحن للقيام بذلك”.
وينتظر أن يعقب ذلك جولة اتصالات فرنسية مع “حزب الله” من أجل خفض التصعيد وإتاحة المجال لاستئناف المفاوضات إذ إن السفارة الفرنسية في بيروت على تواصل دائم مع قيادته.

من عمل استعراضي إلى تهديد أمني إيراني

للوهلة الأولى اعتبر بعض المراقبين أن إطلاق “حزب الله” المسيّرات الثلاث، عملاً رمزياً، لأن هدفها استعراض القوة وإثبات القدرة على تهديد النشاط الإسرائيلي المزمع في حقل “كاريش” لاستخراج النفط والغاز، بموازاة التفاوض الجاري بين لبنان وإسرائيل، بوساطة هوكشتاين. أي أن هؤلاء وجدوا أن العملية محدودة الأهداف.  

لكن ما لبثت المواقف الصادرة من إسرائيل وخلال اتصالات الدبلوماسية الأميركية أن رأت أن هذه العملية المحدودة تهدف إلى توجيه رسائل متعددة الاتجاهات تتعدى عملية التفاوض بين البلدين إلى إدخال سلاح الحزب في سياق المواجهة التي تخوضها إيران في المنطقة مع الضغوط الأميركية والإسرائيلية عليها، وذلك بحجة تثبيت معادلة منع إسرائيل من استخراج النفط والغاز، إذا لم يتم تثبيت حقوق لبنان عبر رسم خط الحدود البحرية وفقاً لمطالبه. وهو ما دفع كثر إلى النظر إلى العملية على أنها إيرانية تحت شعارات لبنانية.

“حزب الله” كان هيأ الأرضية السياسية والإعلامية للعملية منذ أشهر، عبر خطابات أمينه العام حسن نصر الله، التي ركزت على أن سلاحه، الذي بات موضع حملات سياسية وإعلامية متصاعدة تعترض على احتفاظه به، من قبل خصومه، هو للدفاع عن حقوق لبنان النفطية والغازية، معتبراً أنه عنصر قوة للمفاوض اللبناني من أجل تحصيل الحقوق ومنع إسرائيل من استثمار الثروة الغازية والنفطية التي حققت تقدماً في استكشافها منذ عام 2017 تمهيداً لاستخراجها وبيعها، إذا لم تسلم بحقوق لبنان المتنازع عليها معها في رسم خط الحدود البحرية. وفي خطاباته تلك ترك نصر الله الموقف غامضاً، من اعتماد لبنان الخط البحري 23 الذي تبناه رؤساء الجمهورية العماد ميشال عون والبرلمان نبيه بري والوزراء نجيب ميقاتي في اجتماعاتهم مع الوسيط الأميركي، أو الخط 29 الذي يطالب به بعض الفرقاء، ويتهمون الرؤساء الثلاثة بالتفريط في الحقوق لتخليهم عنه، واعتباره خطاً تفاوضياً. 

وإذا كان من أهداف العملية التأكيد على أن “حزب الله” حاضر في مفاوضات الترسيم كما سبق لمصدر دبلوماسي فرنسي أن قال قبل أسبوع، فإن نصر الله أعلن منذ أكثر من شهر أنه سيطلق مسيّرات للإنذار وليس للقصف، محدداً سقف العملية وأهدافها. وقد تبع إعلانه هذا تطمينه الدبلوماسية الفرنسية بأنه لا يريد الحرب أو المواجهة مع إسرائيل.

من التداعيات والوظائف المحلية لإطلاق المسيّرات، إبعاد التهمة عن الحزب، والتي لاحقه بها خصومه عند قدوم السفينة “إنرجين باور” إلى الشاطئ الإسرائيلي، بالتساؤل “أين الحزب من التهديدات بمنع العدو من استخراج الغاز والنفط من كاريش، فإنه بذلك أغرق نفسه بتهمة استخدام سلاحه المتطور الذي يتباهى به، لتوجيه رسائل لا علاقة لها بمصالح لبنان بل بأهداف إيران لا غير”.

باختصار، فإن الحزب بتهيئته لاستخدام مسألة حقوق لبنان في الثروة النفطية، خلق ما سماه خصومه “مزارع شبعا بحرية” (المحتلة في الجنوب والتي تتبع لسوريا وفق خرائط الأمم المتحدة) من أجل تبرير الحاجة إلى سلاحه لـ”تحريرها من إسرائيل”.  

أبعد من الخط 23 والحملة على الحزب

“حزب الله” ذهب بإطلاقه المسيّرات أبعد من السعي اللبناني إلى تحصيل الحقوق في الخط 23+ بضم مساحة حقل قانا بكامله إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان. وهذا ما يفسر اضطرار ميقاتي وبوحبيب إلى الاستجابة للإلحاح الأميركي على إصدار البيان الذي تبرأ من عملية الحزب، وعلى التشديد في نصه “يجدد لبنان دعمه مساعي الوسيط الأميركي للتوصل إلى حل يحفظ  الحقوق اللبنانية كاملة بوضوح تام، والمطالبة بالإسراع في وتيرة المفاوضات”.

وكان سبق صدور بيان الوزير بوحبيب عن اجتماعه مع ميقاتي، بعد يومين على عملية الحزب، مواقف لبنانية عدة معارضة لاحتفاظه بسلاحه تدين قيامه بها. كما صدرت مواقف بعد بيان بوحبيب ترحب بتبرؤ الدولة من إطلاق المسيّرات. واعتبر  حزب “القوات اللبنانية” أنه “حتى الحكومات المحسوبة على حزب الله لم تعد قادرة على التستر على أعماله وخلفياتها”، واعتبر أن تصريح الوزير بوحبيب عقب اجتماعه مع رئيس حكومة تصريف الأعمال واضح وجلي، ورأى أن “حزب الله مصر على مصادرة القرار الاستراتيجي والأمني والعسكري للدولة”. كما جاء في بيان لحزب “الكتائب” أن إطلاق المسيرات “مغامرة جديدة تجر لبنان إلى عواقب غير معروفة الأبعاد، والرسالة الوحيدة من خلفها، والتي اعتبر (حزب الله) أنها وصلت، إنما كانت موجهة إلى اللبنانيين ومفادها أنه لا مفاوضين ولا مفاوضات من دون موافقة (حزب الله) وأنه الآمر الناهي والمتحكم الأوحد بالقرار”. لكن حزب “الكتائب” رأى أن “تصريحات رئيس الحكومة ووزير الخارجية المنددة ومحاولات التنصل من هذه الواقعة باتت غير كافية للخروج من حال (حزب الله) الشاذة القادرة على أن تورط لبنان في حروب لغايات لا علاقة لها بمصلحة البلد، والمطلوب خطوات عملية تعيد السلطة إلى الدولة ومؤسساتها”.

الحملة على بيان ميقاتي وبوحبيب

ولم تلغِ الحملة التي أعقبت صدور البيان من الإعلام التابع لـ”حزب الله”، أو من بعض القوى المقربة من الحزب، على ما تضمنه، مفعوله السياسي. وهي حملة قامت على أن الرئيس عون منزعج من صدور البيان، في وقت الوزير بوحبيب محسوب عليه في الحكومة، والرئاسة هي الحليف الذي لطالما كان الحزب يستفيد منها في تشريع وتغطية كافة أعماله خارج الحدود اللبنانية، من سوريا إلى اليمن والعراق. كما أن تلفزيون “المنار” التابع للحزب وصف من أصدر البيان ضده “بكاؤون عاجزون راضخون لحصار واشنطن، لا يجيدون قراءة الرسالة التي كان يجب أن تصل ووصلت إلى الإسرائيليين والأميركيين”. وهي المرة الأولى التي يوصف فيها ميقاتي وبوحبيب، من دون تسميتهما بهذه الأوصاف.

أمن الطاقة إلى أوروبا

ومع كثرة التكهنات حول علاقة إطلاق المسيّرات بمجموعة من الأحداث الإقليمية، وانعكاساتها على لبنان، ومنها فشل مفاوضات الدوحة حول النووي، والزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي جو بايدن إلى السعودية منتصف هذا الشهر والحديث عن ناتو شرق أوسطي، فإن بعض الأوساط دعت إلى تركيز الأنظار على الحيز المهم لمسألة النقص في الطاقة الذي تسعى الدول الغربية إلى تعويضه جراء تراجع إمداد أوروبا بالغاز الروسي بفعل العقوبات الأميركية والأوروبية عليها، عن طريق إسرائيل، لا سيما من حقل كاريش الإسرائيلي، الذي سيصبح ممكناً البدء في استخراج الغاز منه في الخريف. 

فالاتحاد الأوروبي وقع منتصف يونيو (حزيران) الماضي مذكرة تفاهم مع كل من إسرائيل ومصر من أجل تصدير 40 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي سنوياً إلى أوروبا. ومع أن هذه الكمية لا تعوض الغازالروسي، فإن الاتجاه الغربي لتأمين بدائل لموسكو، في سوق شرق أوسطية واعدة بدءاً بإسرائيل، يشكل مسألة حيوية، فيأتي إطلاق المسيّرات من قبل الحزب ليهدد أمن الطاقة لأوروبا. ولهذا السبب ألح الجانب الأميركي على استكمال المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، وعلى استنكار السلطة اللبنانية لمسيرات الحزب. ويرى مراقبون أن الهدف الإيراني من وراء مسيّرات الحزب تهديد أمن الطاقة لأوروبا، في حال استخدمت طهران سلاح الحزب وضمته إلى الدول التي تطلق منها المسيّرات مثل العراق واليمن من أجل استهداف الخصوم وابتزاز الحانب الأميركي كي يرفع العقوبات عنها و”عن حرس الثورة”.

اترك رد إلغاء الرد