بيتر بروك.. تجريب مسرحي انفتح على ثقافات العالم

انشغل بيتر بروك، الذي رحل السبت الماضي في منطقة تشيزيك (غرب لندن)، في تقديمه مسرحيات شكسبير، وفي مقدّمتها “هاملت”، بالتركيز على بنية العائلة والعلاقات المركّبة بين أفرادها وأزماتها المُعاصرة في سياق يُبرز المأساة، ويَخرج عن المُعالجات السياسية التي اهتمّت بموضوع السُّلطة والصراع عليها وتفكيك خطاباتها.

استعار المخرج المسرحي والسينمائي البريطاني (1925 – 1922)، عناصر أدائية من ثقافات مختلفة مثل أفريقيا واليابان وإيران، في سعيه إلى تطوير فنّ الأداء الغربي الذي تكرّس على مدار مئات السنين، عبر الاستعانة بعدد من المُمثّلين مثل يوشي أودا من اليابان، والبريطاني من أصل بنغالي أكرم خان، وآخرين، أو في رفضه الانصياع للذوق التجاري، ما اضطره لمغادرة بريطانيا والإقامة في باريس عام 1970.

على مستوى القالب والمضمون، أراد بروك تخليص الدراما من الفائض الكلامي أو السردي، وإعادتها إلى أصلها نقيّة تعتمد على الفعل الدرامي بلمسة إخراجية تميّزه عبر توظيفه الخاص للإضاءة والسينوغرافيا والاستفادة من فنون أُخرى ومنها الباليه والرقص وتقنيّات السينما، وتقديم اقتراحات جديدة تتبنّى نظريات المسرح التجريبي لكلّ من ييجي غروتوفسكي، وبرتولت بريخت، وفسيفولود مايرهولد، وغيرهم.

قدّم شخصية المتصوّف الماليّ تيرنو بوكار على الخشبة

وفي تناوله الشخصيات والأعمال التاريخية، شكّلت التفاصيل الإنسانية وتخليق حيوات متكاملة لشخصياتها مثل معالجته لمسرحية “أنطونيو وكليوباترا” حين قدّم مساحات أكبر لشخصيات ثانوية بدلاً من إضاءة عوالم الملكة المصرية (69 ق. م – 30 ق. م)، وجعلها بؤرة العرض المسرحي، أو في تحويله “المهابهاراتا” إلى مسرحية عام 1985، ثم تطويرها لاحقاً إلى مسلسل تلفزيوني.

ورغم الإشادات النقدية العديدة بمَسرَحة الملحمة الهندية، إلا أنه واجه اتهامات من قِبل كتّاب أشاروا إلى منظور استشراقي لم يرقَ إلى استيعاب مبادئها الفلسفية بشكل متناغم، لكن الجدل الذي أثاره العرض جعله موضع درس للباحثين في المسرح والأدب في مقالاتٍ أنصفت تأمّلاته المعمّقة في حرب كوروكشترا باعتبارها محوراً أساسياً في الملحمة، من خلال التساؤل عن معنى النصر والهزيمة في ذاكرة البشرية وقراءتها للمواجهات العسكرية الكبرى بعد آلاف السنين.
عاد بروك مرة أخرى لتناول شخصية “عالمثالية” لها تأثيرها في تاريخ الحضارة التي تنتمي إليها، فقدّم مسرحية “تيرنو بوكار” عام 2005، وتحمل اسم المتصوّف الماليّ (1875 – 1939)، الذي قضى معظم حياته معلّماً ينشر مبادئ التسامح وعقلنة النظرة إلى الذات والآخر، حيث يؤكّد في مقابلة صحافية سابقة أن الدافع وراء تقديره بوكار تمثّلت في رغبته بالتأكيد على أنّ الإسلام هو دين التسامح واللّاعنف والانفتاح على ثقافات العالم، خلافاً لما يشيعه تيار سائد في الإعلام الغربي.

بدأ بروك حياته مفتوناً بمسرح شكسبير وكانت “الملك جون” أولى أعماله التي قدّمها على الخشبة عام 1945، ثم “روميو وجوليت” (1947)، ومسرحية “الصاع بالصاع” (1950)، لتتالى عروضها المقتسبة من نصوص المسرحي والشاعر البريطاني، ومنها “حكاية الشتاء” (1952)، و”هاملت” (1955)، التي أعاد عرضها في عدّة نسخ، و”العاصفة” (1957)، و”الملك لير” (1962)، و”حلم ليلة صيف” (1970)، و”أنطونيو وكليوباتبرا” (1978)، بالإضافة إلى تقديمه نصوصاً لآرثر ميلر وصمويل بيكيت وفيودور دوستويفسكي وألكسندر لوريا وجون وايتنغ وأنطون تشيخوف وبيراغو ديوب وفريد الدين العطار، ونصوص أخرى من تأليفه أو إعداده.

عُرف المخرج البريطاني بمواقفه السياسية التي انعكست في بعض أعماله، ومنها مسرحية مناهضة لحرب فيتنام عرضها في الولايات المتحدة عام 1966، واستجاب أيضاً إلى “حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها” (BDS)، عندما رفض دعوة وجّهها له الاحتلال الصهيوني عام 2012 لعرض مسرحيته “البدلة”، التي تعرّي نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، مؤكّداً رفضه وحشية الاستعمار وممارساته في فلسطين.


/العربي/

اترك رد إلغاء الرد