هل يرفرف علم الحزب على ساحة النور في طرابلس؟

/سامر زريق- أساس ميديا/

خلال شهر واحد، اقتحم حزب الله المشهد الطرابلسيّ لمرّات عدّة عبر البوّابة الاجتماعية. والمدينة التي كان يُقال عنها إنّها عصيّة عليه يبدو أنّها بدأت تسير خِفافاً نحو التآلف معه، بالتوازي مع التحوّلات السياسية الكبرى التي تشهدها، وأزمة الهويّة التي تُرخي بثقلها على المجتمع الطرابلسيّ.

حامل الخير

كان لجمعيّة “وتعاونوا” الخيريّة، أحد أذرع حزب الله الاجتماعية، نشاط إنسانيّ مكثّف في طرابلس قاده رئيسها الحاج عفيف شومان “أبو الفضل”:

– في أوائل شهر حزيران، جال الحاج عفيف برفقة وفد من الجمعية، مع طاقم طبّي متخصّص، على عدد من المنازل التي أُصيب أفرادها بفيروس “اليرقان” أو “التهاب الكبد أ”، ولا سيّما الأطفال منهم، وأعلن تكفّل “وتعاونوا” بتوفير الأدوية والعلاجات لهذه العائلات التي لا تملك قوت يومها.

– في 9 حزيران، أشرفت “وتعاونوا” على نقل الطفل حسن السيطري إلى مستشفى دار الأمل ببعلبك، بناء على توجيهات الأمين العام للحزب شخصيّاً. حسن الذي يعاني من تشوّه خلقيّ في البطن ونزيف في الرأس، كانت حياته في خطر شديد في ظلّ عدم وجود علاج واضح لحالته في طرابلس، بالإضافة إلى وضع العائلة المادّيّ الصعب بعد وفاة ربّ الأسرة ومعيلها. وأبلغ الحاج عفيف والدة حسن تكفّل السيّد حسن نصر الله بكامل تكاليف علاج الطفل حسن مهما بلغ حجمها.

– في 12 حزيران، انتشر فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي للمواطن الطرابلسيّ محمد العلي الذي يحتاج إلى جراحة عاجلة في القلب تبلغ كلفتها 50 مليون ليرة. وبعد مناشدة الزوجة لأهل الخير للوقوف بجانب زوجها، تواصل معها مكتب الأمين العامّ لحزب الله، وتكفّل بجميع تكاليف الجراحة.

– في 15 حزيران، تدخّلت قيادة حزب الله مرّة جديدة لإنقاذ حياة الطفلة عايدة الحمصي التي كانت بحاجة إلى جراحة عاجلة في القلب، ونقلتها إلى مستشفى الرسول الأعظم حيث أُجريت لها جراحة دقيقة على نفقة الحزب.

– في 27 حزيران، قام الحاج أبو الفضل على رأس وفد من جمعية “وتعاونوا”، بزيارة حيّ ضهر المغر حيث انهار مبنى وأدّى إلى استشهاد الطفلة جمانة ديكو وتشرّد عدد من العائلات، وقدّموا واجب العزاء إلى والد الطفلة، وأعطوا مساعدات ماليّة وغذائية وعينيّة إلى العائلات المنكوبة التي تمّ نقلها إلى إحدى المدارس الرسمية، وأكّد أبو الفضل جاهزيّة الجمعية لتقديم كلّ ما يلزم من خدمات للتعاون والترميم.

– في 1 تموز، زار الحاج أبو الفضل حيّ التنك في البدّاوي، وأعلن تبرّع السيّد نصر الله بقسم من تكاليف الجراحة العاجلة والضروريّة للطفل هيثم كور ذي الـ5 أشهر، الذي يعاني تشوّهاً خلقيّاً في القلب، وبحاجة إلى 12 ألف دولار من أجل الجراحة. وأعلن أيضاً فتح باب التبرّعات من خلال “وتعاونوا” لإكمال المبلغ المطلوب، في ظلّ عجز العائلة عن توفير أبسط أمور حياتها.

الفراغ الاستراتيجيّ

“لو كان الفقر رجلاً لقتلته”. هذه المقولة الخالدة لم يقُلها الإمام علي بن أبي طالب عبثاً. فالفقر قد يدفع الناس إلى القبول بما كانوا يرفضونه بحزم. لا يُلام الموجوع أو العاجز على قبوله بمساعدة من حزب الله ولا بأيّ شكل من الأشكال، خاصّة عندما تنعدم الحلول أمامه. ولا يُلام أيضاً حزب الله على ما قام به. مَن يستحقّ اللوم الشديد هم الذين امتنعوا عن مدّ يد العون إلى أهلهم الذين يمثّلونهم في عالم السياسة.

لا يهدف العمل الاجتماعي فقط إلى الحصول على تأييد المستفيدين، بل يتعدّى ذلك إلى خلق بيئة متآلفة وداعمة للجهة التي تقف خلفه. في السابق أسهم العمل الإنساني والاجتماعي المكثّف لمؤسّسات الحريري، التي حلّت مكان الدولة في الكثير من المجالات، في تقبّل السُنّة لاتّفاق الدوحة على الرغم من كارثيّته، وعدم خروجهم على الحريري. ومع أنّه كان المدخل الأساس للتسوية الرئاسية عام 2016، إلّا أنّ الأخيرة أتت بالتزامن مع إقفال مؤسّسات الحريري، فكان لها تأثير كبير على شعبية الرئيس سعد الحريري باعترافه شخصيّاً.

ومع انسحابه، وقبله محمد الصفدي، وغياب جمعية “العزم والسعادة”، باتت الساحة الطرابلسية مشرّعة أمام النشاط الاجتماعي لحزب الله. لكنّ الأخير لم يكن يضع طرابلس على أجندته حتّى الأشهر الأخيرة، وذلك بسبب تعقيدات الساحة الطرابلسية، ولا سيّما في ظلّ كونها ساحة لصراع الأجهزة الأمنيّة.

بيد أنّ ما أفرزته الانتخابات النيابية في طرابلس من تحوّلات سياسية قرأها الحزب بدقّة كان المحرّك الأبرز له. فالمدينة تعيش أزمة عميقة في هويّتها السياسية، وأيضاً الثقافية والاجتماعية.

أزمة عميقة

بالتوازي مع انسحاب القوى السياسية التقليدية من المشهد الطرابلسي، تراجع حضور مَن تبقّى من السياسيّين التقليديين مع فوز 5 نواب سُنّة من لوائح متنافسة لا يحملون أيّ مشروع سياسي، ولا جوامع مشتركة بينهم، وهو ما أفضى إلى وضع طرابلس على هامش المعادلة السياسية الوطنية. يُضاف إلى كلّ ذلك انغماس المرجعيات الطرابلسية في معارك ذات أهداف ضيّقة يغلب عليها طابع الشخصانيّة والتنفيعات، مثلما هو حاصل في بلديّة طرابلس.

من جانب آخر، أدّى هذا الانهيار التاريخي إلى حصول تبدّلات عميقة في المجتمع الطرابلسي، حيث تراجعت قيم التكاتف والتضامن الأهليّ والمجتمعيّ التي لطالما ميّزت مدينة “العلم والعلماء” لمصلحة القيم “الدولاريّة” التي تطغى فيها الأنا على حساب العائلة والمجتمع. وعلى الرغم من الجهود التي تقوم بها بعض الجمعيات الخيرية، إلّا أنّ غياب الثقة فيما بينها أفضى إلى صعوبة إيجاد أرضيّة مشتركة لتحرّكها، ناهيكم عن غياب المرجعيّة التي تستطيع تنظيم عملها للحصول على نتائج أفضل وأكثر شمولاً.

شكّل كلّ ذلك عوامل عبّدت الطريق أمام حزب الله للعمل في الساحة الطرابلسية، الذي يجب أنْ يكون محطّ اهتمام حلفاء الحزب قبل غيرهم، إذْ يبدو أنّه لم يعد بحاجة إليهم، وباتوا بالنسبة إليه “الأوائل” بين مجموعة كبيرة من المستقلّين، ولذلك استنكف عن دعمهم أو حلّ مشاكلهم، وربّما طوى فكرة “اللقاء التشاوري” إلى غير رجعة.

إذا كان البعض قد استذكر في ذكرى التحرير في أيّار الماضي صورة شهيرة لإحدى حملات حزب الله أيّام عناقيد الغضب لجمع التبرّعات، كانت فيها أعلام الحزب ترفرف وسط الجموع على ساحة النور، فلا يستبعدنّ أحد أنْ يعود هذا المشهد، بإرادة طرابلسية شعبية خالصة، في حال استمرّ السياسيّون بلعب دور المتفرّجين أو العاجزين عن المبادرة.

أكثر من ذلك: إنّ الصراع الهويّاتي المستجدّ بين فوبيا الإرهاب والدولة المدنية ولواحقها يجعل خيار حزب الله أكثر قبولاً.

اترك رد إلغاء الرد