الخط 29 (5): أنطوان حدّاد: بطلٌ وطني.. أم عميل أميركي؟

كُتب الكثير عن الخطّ 29 وعن مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. في هذا التحقيق المطوّل، عرض لأبرز “الروايات” المتناقضة حول كيفية ولادة هذا الخطّ، في الجغرافيا، ثم في السياسة، وفي الإعلام. ومحاولات للإجابة عن أسئلة كثيرة، أبرزها: هل تسرّبت شفّاطات العدوّ الإسرائيلي إلى غازنا ونفطنا، من تحت خلافاتنا الداخلية؟ وهل فرّطنا بثروة أولادنا وأحفادنا… طمعاً بكرسي الرئاسة أو ببعض المزاديات السياسية؟

5 حلقات كُتبت بناءً على مقابلات مع أحد المعنيين الأساسيين بهذا الملفّ إلى جانب رئيس الجمهورية، ومع أحد المعنيين القريبين من قيادة الجيش، ومع أحد وزراء حكومة حسّان دياب، ومع أحد الذين كانوا جزءا من فريق التفاوض في الناقورة، وكذلك بناءً على مقابلات مع حزبيين على علاقة مباشرة بهذا الملفّ، من الموقع التقني والعسكري والسياسي. 

الحلقة الخامسة والأخيرة، عن المستشار الرئاسي أنطوان حدّاد: هل هو بطل وطنيّ صنع الخطّ 29؟ أم عميل أميركي ورّط لبنان وأخّر استخراج نفطه وغازه؟

في الحكايات الغامضة عن أنطوان حدّاد، المستشار الرئاسي في بعبدا، الكثير من التناقضات. إنحراف الحكاية قليلاً إلى هذه الجهة يجعله البطل الذي “اخترع الخطّ 29”. وانحرافها إلى الجهة الأخرى يجعله “العميل الأميركي الذي ورّط الرئيس ميشال عون بالخطّ 29”. وفي الحالتين كان له دور كبير، لكنّه غير واضح. ولا أحد يمتلك حقيقة الحكاية.

من هو أنطوان حدّاد

فجأة ومن دون مقدّمات ظهر إلى العلن اسم طوني حداد مستشاراً لرئيس الجمهورية في ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل وعلى إثر الخلاف الذي انفجر بينه وبين رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وتبادل الاتّهامات بتضليل رئيس الجمهورية ميشال عون والإساءة إلى عهده ومحاولة التفرّد بالقرار. أنطوان حداد، أو المستشار اعتبره الكثيرون وديعة الجيش في بعبدا والأقرب إلى الجنرال جوزف عون منه إلى رئيس الجمهورية.

هو أحد أركان التيار الوطني الحر ومن الرعيل المؤسّس. جمعته علاقة وطيدة بقائد الجيش العماد ميشال عون منذ 1989، واستمرّت إلى حين مغادرة عون إلى فرنسا في التسعينيات. شغل منصب مسؤول التيار في أميركا.

طوال تلك الفترة كان المحرّك الأساسي لكلّ سياسة ميشال عون الأميركية، ويخوض معركة عرض مشاريعه في الكونغرس الأميركي. ومن الأمور التي ساهم في بلورتها قانون استعادة السيادة اللبنانية الذي وافق عليه الكونغرس الأميركي عام 2003، وقانون محاسبة سوريا. وهو الذي وفّر للجنرال إمكانية شرح وجهة نظره أمام الكونغرس الأميركي مستبقاً صدور القرار 1559. بعد عودة الجنرال كان المحامي الأول عن تفاهم مار مخايل الذي قدّم له في الكونغرس الأميركي وتحدّث عن إيجابيّاته وعن حزب الله كحزب لبناني له حضوره.

بعد انتخاب عون رئيساً للجمهورية لم يعيّن حداد مستشاراً بشكل رسميّ، لكنّه لعب أدواراً إلى جانبه، فكان يستشيره في كلّ ما له صلة بالأميركيين، ويشارك في أيّ اجتماع للرئيس مع وفود أميركية. يمكن اعتباره صلة وصل بين العهد والأميركيين، أو هكذا كان يقدّم نفسه. قربه من الجنرال والرئيس لاحقاً لم يكن ينطبق على علاقته مع الصهر جبران باسيل. منذ البدايات لم يكن الودّ ثالثهما. كانت تدور منافسة صامتة محورها الإمرة لِمَن في بعبدا، ومن هو الأقرب إلى الرئيس والمؤثّر في قراراته.

لقاء حنيف… والنفي من بعبدا

تقول الرواية إنّ أنطوان حداد الذي يحمل الجنسية الأميركية كان أيضاً عرّاب الخط 29 الذي أصبح على خلفيّته ملف ترسيم الحدود البحرية موضع سجال عقيم في لبنان. كان حداد في عداد الحاضرين للقاء جنيف، وحمل الدراسة البريطانية التي عُرضت خلال الندوة، وتقول إنّ حقّ لبنان من مياهه هو 1,430 كلم مربّعاً. أقنع رئيس الجمهورية بالسير بالخط 29 بدل الخط 23 المعتمَد في أروقة الأمم المتحدة. وطالب عون بتشكيل لجنة من الجيش لإدارتها وإعداد الملاحظات بشأنها.

وفق رواية حداد، فقد تسلّم ملف ترسيم الحدود منذ آب 2019، بتكليف مباشر من الرئيس عون، وبالتعاون مع نجيب مسيحي، الذي كان عضواً في الوفد اللبناني المفاوض. ومن خلال الاجتماعات التي عُقدت في وزارة الدفاع تبيّن وفق الخرائط والدراسات أنّ حقّ لبنان في مياهه يتجاوز المطلب المزمن على أساس مساحة 860 كلم مربّعاً المتنازَع عليها بين خط هوف ونقطة 23، وأنّ المساحة تزيد 1430 كلم مربّعاً إضافية داخل المنطقة الإسرائيلية. حاول حداد إقناع عون بضرورة إرسال كتاب إلى الأمم المتحدة بالتعديل، وحرّك الملف في الإدارة الأميركية قبل إعلان رئيس مجلس النواب نبيه برّي اتفاق الإطار وبعدها انتقال الملف إلى عون.

الخط الذي تقول رئاسة الجمهورية إنّها تبلّغت به بموجب دراسة صادرة عن الجيش، بدأ حداد التسويق له بأنّه الخط الذي تبنّاه عون وطالبه بالعمل لأجله أميركياً ولدى الجهات المعنيّة.

على خلفيّة الخط 29 نشب خلاف كبير ومشاجرة بين حداد وباسيل انتهيا بإعلان بعبدا “انتهاء العقد الموقّع مع حداد ومنعه من دخول قصر بعبدا، فلم يعُد في حوزته أيّ ملف من الملفّات التي تحدّث عنها في الإعلام، وأيّ ملفّات أخرى تخصّ رئاسة الجمهورية”. غادر حداد بعبدا، لكنّ ملفّ الترسيم والخط 29 بقيا موضع اهتمامه يتابعهما مباشرة مع قائد الجيش جوزف عون.

وكما ظهر فجأة اختفى طوني حداد عن الإعلام وسط رواية تقول إنّ الأميركيين أبلغوا الجهات الرسمية اللبنانية أنّ موقفه لا يعكس وجهة نظر أيّ جهة أميركية رسمية.

/أساس ميديا/

اترك رد إلغاء الرد