أيام عيدي الفطر والاضحى: ذكريات لا تنسى

كتبت ليلى دندشي

أيام عيدي الفطر والاضحى: ذكريات لا تنسى

لها نكهتها واستعداداتها عند الكبار والصغار من السينما إلى معمول العيد والمراجيح وام الفلافل

والاضاحي تراجعت بسبب الغلاء وإرتفاع الاسعار

ويبقى للعيد بهجته وفرحته تحت أي إسم كان، فبين عيد الفطر (الصغير) وعيد الاضحى(الكبير) الكثير من الظواهر والمظاهر والإستعدادات والتحضيرات المشتركة التي تطال كافة أفراد الأسرة صغارا وكبارا ومن جميع الفئات لا فرق بين غني وفقير فالفرحة اولا واخيرا لا تقاس بالمال.

وإن كان لعيد الفطر الحيّز الأكبر في التحضيرات فلأنّ “ملابس العيد” يتم توضيبها فور الإنتهاء من الفترة المحددة ليعاد إلى إستخدامها مجددا بعد شهرين وعشرة أيام مع إطلالة عيد الاضحى عند غالبية سكان طرابلس لاسيما إذا حلّ العيدان في موسم واحد صيفا أو شتاء.

وربما تحضيرات العيد وأجوائه وايامه ولياليه إذا سألت أحد الطرابلسيين عنها ستكتشف أنها على مدار السنوات لا يمكن أن تُنسى فهي تواكبه منذ الصغر حتى سنوات متقدمة من العمر. فالتحضيرات لا تقتصر على فرد واحد من الاسرة بل يشارك الجميع بها وتحظى بلذة خاصة عند الأطفال والشبان من الجنسين، فالعيد الصغير يعقب شهر رمضان المبارك، ولهذا الشهر فضائله التي يشارك بها الجميع بمتعة وحيوية وبإيمان تسيطر على الفتى الصائم أو الفتاة الصائمة طوال النهار وما أن يحل الغروب ويطلق مدفع القلعة طلقتيه إيذانا بوقت الإفطار حتى يسارع الجميع إلى التحلّق حول مائدة الطعام، أو حول “الطبلية” عند بعض الأهالي غير الميسورين، وغالبا ما يكون طعام الإفطار يتألف من (الشوربا) وبعض المأكولات الطرابلسية كالفتوش والفتة إضافة إلى نوع من الطبخ الطرابلسي الذي يتألّف من خضار وأرز ولحمة، ليتكون منها طبخة أو إثنتين ويعقب كل ذلك أحد أنواع المشروبات والعصائر وحلويات عربية من شغل (ست البيت) أو يتم شراؤها من الباعة المختصين. 

وطبعا ما أن ينتهي الإفطار وتسرع السيدات إلى مطابخهنّ للتنظيف  وتحضير القهوة والشاي “والأراكيل” وسط تململ الصغار ومطالبتهم بالخروج من المنزل وفق “طقوس” محددة وهي تأدية صلاة التراويح في المسجد ومن ثم التجوال في أسواق طرابلس القديمة.

وطبعا لجولة السوق أهميتها ، فالمدينة القديمة تتلألأ بالمصابيح الكهربائية، أين نحن منها اليوم؟ وسط هذا الظلام الذي يلف طرابلس بكاملها وتستمر هذه الجولات من قبل الفتيان والفتيات لساعات وساعات تتخللها أحيانا جلسة في أحد المقاهي الشعبية إما حول أركيلة أو لعب الورق(الشدّة) باللغة الطرابلسية أو التجوال مرات عديدة في شوارع المدينة وأزقتها يعاينون ما تتضمنه واجهات المحلات من ألبسة وثياب أو يلتقون بأصدقاء ورفاق لهم ويمضي الوقت وقد لا يشتري أحدهم قطعة ثياب واحدة ،فالتأجيل هو دائما الحل بإنتظار الحصول على الأموال اللازمة والإنتهاء من حالة الإنتقاء والتفاضل حول ما هو معروض للعيد.

وغالبا ما يقصد الشبان متاجر الخياطين كما تقصد الفتيات مع والدتهنّ منازل الخياطات للإطلاع على آخر الموديلات والإتفاق على تفصيلة معينة لثياب العيد.

وشيئأ فشيئا تدب العجقة في المنازل مع إقتراب العيد وإنصراف الأمهات والبنات لتنفيذ “تعزيلة العيد” والإتفاق مع رب المنزل على طبخة العيد  وغالبا ما تكون فاصوليا وملوخية أو دجاج(ضلع) كل ذلك مع الأرز أو أن تكون طبخة العيد هي كبة مشوية او بالفرن أو لحم بعجين على الطريقة الطرابلسية.

وليلة العيد يعمد الأطفال ذكورا وإناثا إلى تحضير ملابس العيد في صالون المنزل ليرتدوها في ساعة مبكرة صباحا حيث يتوجه افراد العائلة بكامل أفرادها إلى مدافن المدينة لقراءة الفاتحة على أضرحة المتوفين من أقربائهم ومعارفهم ،في حين يتوجه الذكور لتأدية صلاة العيد في الجامع المنصوري الكبير أو في جامع طينال ،واليوم تلجأ بعض الجمعيات الدينية إلى تنظيم صلاة العيد في ساحات واسعة في المدينة .

وقبل الإنصراف من المدافن يتم توزيع “العيدية” والكعك الطرابلسي على أفراد الاسرة وعلى الفقراء ليبدأ المشوار إلى منازل الأقرباء من كبار السن للمعايدة وجمع العيدية التي شيئا فشيئا تتضخّم قيمتها وليسارع الأطفال إلى شراء الألعاب المفضلة لديهم كالمسدسات والرشاشات البلاستيكية التي تطلق أصوات المفرقعات او ترش المياه فيستعملها الفتيان ضد بعضهم البعض بعد ان ينقسمون إلى فرق ويلعبون (عسكر وحرامية) ، أما الفتيات ومعهنّ أخواتهم الصغار فيفضلن التوجه إلى المراجيح القائمة في بعض ساحات المدينة القديمة، ليعلو الصراخ عند كل مرة تصعد فيها المرجوحة إلى الأعلى او عند نزولها .

ولا ننسى أنّ غالبية الطرابلسيين حاليا لا يزالون يتذكرون عندما كانوا صغارا وبهذه المناسبات السعيدة ومن كثرة تناولهم المعمول بمختلف انواعه فإنهم كانوا يسرعون لتناول كاسة من “مخلل العيد” وخاصة من البائع المختص الذي كانت عربته الخاصة قائمة خلال أيام العيد مقابل ساعة التل، والمشوار أيضا لا ينتهي إلاّ مع صورة تذكارية في ساحة التل أو في مانشية البلدية على يد مصور من الطائفة الأرمنية وليتم الإنتقال إلى مرحلة جديدة وهي التوجه إلى أحد دور السينما لحضور( ثلاثة أفلام دفعة واحدة) وهي من نوع المغامرات كأفلام طرزان وزورو أو شمشوم الجبار وهرقل … وطبعا كان الأولاد يفضلون عدم الذهاب إلى منازلهم لتناول الغداء والإكتفاء بسندويشة” أم الفلافل” باللغة الطرابلسية.

وطبعا بعد إنتهاء ايام العيد الثلاثة يتم جمع وتنظيف ثياب العيد وتوضيبها في الخزانة ليعاد إستعمالها عند حلول عيد الاضحى الذي له نكهته ومظاهره الخاصة وفي مقدمها الإستعدادات التي يتم إتخاذها عند مداخل يعض المنازل من زينة ورفع سعف النخيل لإستقبال الحجاج العائدين من تأدية فريضة الحج وكذلك إقتناء من قبل الاسر الغنية لخروف أو أكثر وفق إمكانيات العائلة للتضحية بها عن طريق( لحام ) مختص صبيحة العيد وتوزيع حصص منها على الفقراء.

ولكن هذه الشعيرة من الواضح أنها قد تراجعت بعض الشيىء حيث خلت الباحات أمام القصابين في شوارع المدينة وساحاتها من الخراف التي يدفع بها أصحابها إليهم للقيام بنحرها، علما أن هذا المشهد لقي خلال السنوات الماضية إمتعاضا لدى سكان المدينة من جراء المخلفات التي يتسبب بها نحر الخراف من دماء وسوى ذلك وتصاعد وإنتشار الروائح .

وقد سارعت بلدية طرابلس والجهات الصحية في السنتين الماضيتين إلى إتخاذ الإجراءات التي ساهمت في التخفيف من هذه المشاهد التي تجري امام عيون النااس وصغار السن بصورة خاصة.

وطبعا فإن الأوضاع المعيشية وإرتفاع أسعار الأضاحي قد حال دون تمكن الطرابلسيين من تنفيذ هذه الشعيرة في حين عمد البعض إلى توكيل بعض الجمعيات لتنفيذ هذه الشعيرة نيابة عنهم وتوزيعها على المحتاجين.

اترك رد إلغاء الرد