المنظومة السياسية تقصف المطار وتحوّله خرابًا

/رامي الأمين- درج/

يضاف معين شريف إلى “كومة” الخراب في مطار بيروت الدولي. كما القشّة التي تقصم ظهر البعير بخفّتها، يؤدي المغني اللبناني أغنية مفتعلة بأداء مصطنع، في صالة الوصول المزدحمة بالمنتظرين وسائقي الأجرة الذين يحاولون اصطياد زبون يحمل العملة الصعبة، في حال من الفوضى وغياب اي معايير تسعير أو أمان للوافدين. وهؤلاء، أي الوافدون، يهتمّون أكثر من المغادرين بحال المطار وانهياره، الذي يدلّ على حال البلد. أما المغادرون، فأغلبهم يرحل من دون أن ينظر وراءه، إلا ما قلّ من مسافرين للسياحة أو رحلات العمل الموقت. من يغادرون هذه البلاد مهاجرين، لا يهتمون لمطار لا يفكرون بالعودة إليه. 

يضاف معين شريف، مع أغنيته التي بدا أنه لا يحفظها غيباً أثناء تأديتها بتقنية “بلاي باك”، إلى خراب يعمّ البلاد، ولا يستثني المطار المتهالك، الذي لا يخضع لصيانة وتطوير منذ سنوات طويلة. فآخر عملية تأهيل شاملة خضع لها المطار كانت عام 2000، سبقتها عملية أخرى عام 1996. ومنذ الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان منذ عام 2019، وانهيار العملة واستفحال الفساد، تتراجع حال المطار ويغرق أكثر فأكثر في الإهمال والتهالك ويصيبه نصيبه من الانهيار الشامل.

الأمن العام “تعبان”

لا يستطيع أي زائر أو مغادر لمطار بيروت إلّا أن يلاحظ ضعف التنظيم وتراجع الخدمات وتهالك البناء والبنية التحتية. كما انعكست الأزمة على موظفي المطار، الذين انهارت رواتبهم وبعضهم يعمل في مواقع حساسة تتطلب أن لا يكون أحد منهم مشتّت الذهن يفكّر في لقمة العيش بدل التركيز على عمله المرتبط بالأمن والسلامة العامة. وبين هؤلاء عناصر وضباط الأمن العام، المسؤولون عن التدقيق في جوازات السفر وختمها. يبدو واضحاً انخفاض أعداد المناوبين على شبابيك الأمن العام المخصصة لختم الجوازات. العدد قليل لأن الرواتب اضمحلت حتى باتت في حالات العناصر لا تزيد عما قيمته 50 دولاراً. وهذا رتّب تسويات، أي أن تكون أيام الخدمة أقلّ، وساعات الخدمة أطول، لتفادي كلفة النقل العالية جداً مع رفع الدعم بشكل شبه نهائي عن المحروقات. صفيحة بنزين واحدة تكاد تعادل ثلاثة أرباع راتب العنصر في الأمن العام، وهذا يجعل انتقاله إلى المطار مكلفاً جداً، لا بل غير ممكن في أحيان كثيرة. من هنا، يقول أحد عناصر الأمن العام، الذي يكاد “يموت” من النعاس في الفجر لمسافرة غادرت منذ أيام، إنه بات يداوم لثلاث نوبات متتالية لتعويض النقص، وتوفير كلفة النقل. انعكس ذلك طبعاً على الزحمة في المطار، وعلى انتظار المسافرين، من مغادرين وواصلين، أمام شبابيك الأمن العام. وحي تصل أكثر من طائرة في الوقت نفسه، يصير الانتظار طويلاً جداً، يصل أحياناً إلى ما يزيد على ساعة واحدة لعبور نقطة الأمن العام والانتقال إلى استلام الحقائب.

“مثلنا مثل غيرنا”

يحدث ذلك فيما تكون مكيّفات صالات الانتظار في المطار مطفأة، معظم الوقت، بسبب عدم توفّر الكميات الكافية من الطاقة. ويمكن تخيّل الوضع في مثل هذه الأيام من الصيف مع الحرارة والرطوبة المرتفعتين. وهذا أمر “عادي” بالنسبة إلى وزير الأشغال العامة والنقل علي حمية، “مثلنا مثل غيرنا” على حدّ قوله، مدّعياً أن الأمر حدث في مطار شارل ديغول في فرنسا، وهو إن كان قد حدث، يكون بشكل طارئ واستثنائي بسبب عطل ما، ويتم تدارك المشكلة بسرعة، ولا تكون بأي حال من الأحوال حالة متكررة و”طبيعية”، كما يحدث في مطار بيروت، حيث يشتكي المسافرون من الحرّ الشديد داخل صالات المطار، خصوصاً أن الانتظار طويل، وأن غياب الطاقة يؤثر أحياناً في عمل الحزام المتحرك لنقل الحقائب، فيتوقف في حالات معينة، ويضطر المسافرون إلى التفتيش عن حقائبهم بعد وضعها كلها في مكان واحد على الأرض في إحدى صالات المطار. كما أن غياب الطاقة يوقف الأدراج والممرات الالكترونية وهو ما يبطّئ حركة المسافرين داخل المطار ويزيد من الازدحام ويضيّق الخناق عليهم. هذا من دون التطرّق إلى مسائل تتعلق بالنظافة والحمّامات، خصوصاً مع انقطاع المناديل الورقية وورق “التواليت” والصابون من دورات المياه، فيضطر المسافر إلى تدبّر أمره بنفسه.

فضائح “الميدل إيست”

مع معين شريف، شاركت مضيفات من شركة طيران الشرق الأوسط في “العرض” المزري في صالة الوصول، والذي كان برعاية تلفزيون محلي نقله إلى المشاهدين. المفارقة أن المضيفات اللواتي رقصن على أنغام أغنية شريف، يواجهن استغلالاً موصوفاً من الشركة، التي تتقاضى أسعار بطاقات السفر بالدولار الأميركي (الطازج) وبأسعار هي الأعلى في سوق شركات السفر، لكن الشركة لا تزال تعطي رواتب موظفيها بالليرة اللبنانية، مع إضافات بسيطة لمحاولة تدارك التضخم، وهكذا يحقق محمد الحوت(رئيس مجلس إدارة الميدل إيست) وشريكه رياض سلامة (حاكم مصرف لبنان) أرباحاً هائلة على حساب الموظفين، وعلى حساب الخدمة داخل الطائرات، حيث تراجعت بشكل ملحوظ نوعية الطعام المقدّمة على متن الطائرة، فضلاً عن غياب المشروبات الكحولية.

“بجنونك بحبك”

تحت إضاءة خافتة، بسبب التقنين في الكهرباء، بإمكان زائر المطار، أن يلحظ الإعلانات على اللوحات والشاشات. منها قديمة لوزارة السياحة، لا تزال تمجّد “جنون” لبنان تحت شعار “بجنونك بحبك”، على طريقة وزير الداخلية الذي طمأن السيّاح خلال جولة في المطار، بأن “عمليات الخطف قليلة”! وهذا ضمن “الجنون” اللبناني الذي تتبجّح به وزارة السياحة، متضمّناً اعترافاً بأن الأوضاع “مجنونة” على مستوى الأمن والاقتصاد والعملة والحياة اليومية. تماماً كإعلان آخر يشاهده السائح أو المغترب العائد إلى بلده (ويبدو في الشاشة خلف معين شريف أثناء تأديته وصلته)، في صالات المطار، وفيه تحذير من إدخال “الفواكه والخضار الطازجة” (ادخال الدولارات الطازجة مسموح، لا بل مستحبّ) في الحقائب إلى لبنان لـ”حماية الزراعة المحلية”. والإعلان، لسورياليته، يصوّر مسافراً عثرت “السكانر” على ثمرة أناناس في حقيبته الصغيرة، فيقوم الأمن باعتقاله عبر حمله بطريقة عنيفة و”كوميدية”، لينتهي الاعلان بنصّ مكتوب يحذّر من إدخال الفواكه الطازجة إلى البلد. وطبعاً لا حاجة للإشارة إلى أن لبنان لا يزرع الأناناس وأن هذه الفاكهة الاستوائية لا تشكّل تهديداً للزراعة المحلية. وأن الإعلان، بدل أن يشجّع على الزراعة، ينقل صورة سيئة عن أداء الأجهزة الأمنية التابعة للمطار. وعن تصرّفها بعنف ولا مسؤولية مع تهريب ثمرة أناناس. 

عام 1968 قصف الجيش الإسرائيلي مطار بيروت الدولي، ودمّر 13 طائرة مدنية. بعدها عام 1976 قصفه أيضاً وعطّل حركة الملاحة فيه. وتكرر الأمر عام 1982 أثناء اجتياح بيروت. ثم قصفت إسرائيل مدارج المطار وخزانات الوقود في حرب تموز 2006. هذه إسرائيل. ويمكن أن “يفهم” المرء أن يأتي تدمير مرفق حيوي من قبل “عدوّ” للبلد. 

لكن لا يمكن في أي حال أن يفهم قيام دولة بأمّها وابيها وأبنائها، وفوقهم قشّة معين شريف، بتدمير مرافقها الحيوية. بدءاً من المرفأ الذي دمّر حرفياً بانفجار هائل، مروراً بمؤسسات الدولة وبناها التحتية على اختلافها، وصولاً إلى مطار بيروت الدولي، واجهة لبنان المترهّلة والكئيبة.

اترك رد إلغاء الرد