الطفولة المرتهنة في الصحراء السورية

ذكرت وكالة “فرانس برس” الفرنسية أن مئتي طفل من أبناء اسلاميين فرنسيين محتجزين في الصحراء السورية في ظل ظروف صحية مزرية، إذ تبقى فرنسا خلافاً للدول المجاورة لها، متمنعة عن إعادتهم.

وكانت فرنسا منذ 2016 قد أعادت 126 طفلاً التحق أهلهم بصفوف تنظيم “داعش” إلا أن القسم الأكبر من عائلات الاسلاميين الفرنسيين والبالغ عددهم 200 قاصر و80 امرأة لا يزالون معتقلين في مخيمات تسيطر عليها الإدارة الكردية شمال شرق سوريا.

وفي الوقت الذي قامت به دول أوروبية أخرى مثل بلجيكا وألمانيا بإعادة معظم أبناء مقاتليها، فإن فرنسا لا زالت تتمسك بسياسة تقضي بإعادتهم بأعداد ضئيلة وبصورة متباعدة، ما يعرضها لانتقادات.

فقد اتهمت لجنة حقوق الطفل في الأمم المتحدة فرنسا ب”انتهاك حقوق الأطفال الفرنسيين المحتجزين في سوريا عبر الامتناع عن إعادتهم إلى الوطن”.

وحذر خبراء الأمم المتحدة من أن هؤلاء الأطفال الذين يعيشون في خيم مكتظّة وسط درجات حرارة قصوى ومن دون الالتحاق بمدرسة “محرومون من المقومات الأساسية ولا سيما المياه والطعام والرعاية الصحية، ويواجهون خطر الموت الوشيك”.

وعلق رئيس مقاطعة سين سان دوني في الضاحية الباريسية ستيفان تروسيل الذي يتولى من خلال برنامج المساعدة الاجتماعية للطفولة، رعاية ثلثي الأطفال الفرنسيين العائدين من مناطق حرب، أن “مشاهد أطفال خضعوا لغسل دماغ من قبل تنظيم الدولة الإسلامية وبأيديهم قطع سلاح، تبقى مطبوعة في الأذهان”.

لكنه شدد على أن “الأطفال ليسوا مذنبين، هم قبل أي شيء ضحايا جنوح أهلهم القاتل وما يحتاجون إليه في المقام الأول هو إعادة بناء أنفسهم إن أردنا لهم أن يتمكنوا من الاندماج في المجتمع”.

غير أن هذا الموقف مخالف للرأي العام السائد، إذ أعرب  حوالى 70 في المئة من الفرنسيين عام 2019 عن معارضتهم لعودة أبناء “الجهاديين”، وفق استطلاع للرأي أجراه مكتب أودوكسا دنتسو للاستشارات لحساب إذاعة “فرانس إنفو” وصحيفة “لو فيغارو”.

مستقبل مرتهن

وبحسب التقرير المطول الذي نشرته الوكالة فإن فرنسا تبقي عدد الذين تسترجعهم من هؤلاء “العائدين” سواء القصّر أو البالغين بالحد الأدنى، لكن مع تخطي الاستحقاقات الانتخابية، تأمل “جمعية العائلات الموحدة” التي تضم عائلات فرنسيين التحقوا بمنطقة العراق وسوريا، في أن يقوم الرئيس إيمانويل ماكرون ب”بادرة” خلال ولايته الثانية.

وقالت ماري دوزيه محامية عدد من النساء والأطفال الفرنسيين المحتجزين في سوريا: “يجب عدم تركهم في الأتون، الكل ينهار نفسيّا”. وشدد خبير الطب النفسي للأطفال الذي تقوم طواقمه بتقييم كل طفل عائد، على أن “مدة التعرض هي من العوامل التي تحدد خطورة الصدمة. التخلي عنهم يعني إساءة معاملتهم وارتهان مستقبلهم”.

ووصفت نائبة رئيس محكمة الأطفال في بوبينيي موريال إيغلين الأطفال لدى عودتهم قائلة إن “بعضهم كانوا في وضع نفسي سيء جداً، يعانون نوبات قلق كثيرة ونوم مضطرب وتساقط الشعر، في حين أن الأكبر سناً كانوا على العكس مبهورين بما يرونه من حولهم”.

وأوضح جهاز المساعدة الاجتماعية للطفولة في منطقة إيفلين الباريسية أن استقبال هؤلاء القصّر كان “مغامرة” أحاطت بها عند بداياتها محاذير عديدة. وقالت رئيسة الجهاز في سين سان دوني لوسي دوبوف إن “بعض عائلات الاستقبال أو المربين كانوا يتخوفون من إدراج أسمائهم وعناوينهم على الرسائل الموجهة إلى المحكمة” خشية أن يربطهم ذلك بملفات الإرهاب بحق الأهل.

التعاطي مع العائدين

ويتحدث التقرير عن الخطوات المتبعة للتعامل مع الأطفال العائدين من سوريا حيث نجحت أجهزة حماية الطفولة في ترتيب نظام تكفّل يأخذ بكلّ حالة على حدة، بالتنسيق مع أجهزة الحماية القضائية للطفولة وخبراء علم النفس. وأكدت مديرة جهاز المساعدة الاجتماعية للطفولة في إيفلين ساندرا لافانتورو أن الكل يعمل بشكل جماعي بهدف أن “يعود الأطفال أطفالاً”.

ولا يترك عناصر رعاية الطفولة أي مسألة للصدفة، من إدخال الأطفال إلى المدارس التي كانوا محرومين منها، إلى زيارات أقربائهم أو أمهاتهم في السجن، وصولاً إلى مراقبة رسائل “واتس آب” والرسائل الإلكترونية التي تردهم من سوريا، كما يدققون في كل جوانب ماضي العائلة الموسعة.

وأوضحت إيفلين أن “أكثر من 65 في المئة من الأهل في السجن. ندرس إن كانت الزيارة إيجابيّة للطفل. هناك حالات قليلة جداً حيث يتم تعليق الحق في الزيارة. وحين يحصل ذلك، يكون بسبب تلقين عقيدة التطرف من خلال خطاب بالغ الهجومية، أو حين يخضع أطفال لضغوط بشأن تصريحات قد تكون صدرت ويمكن أن تلحق ضرراً بالأهل الذين سوف يحاكمون بتهمة ارتكاب عمل إرهابي”.

ورأت المحامية جوزين بيتون التي تمثل عدداً من الأطفال أنه “ليس من السهل أن يكون للطفل والدان في السجن، وبالتالي يجب أن نشرح لهم حيثيّات سلوك أهلهم”، وهي تحضر جلسات محاكمة الأهل “لجمع فتات قصتهم” حتى “تنقلها سواء الآن أو لاحقاً إلى الطفل”.

/ فرانس برس/

اترك رد إلغاء الرد