ظاهرة قتل النساء…أين الحلول؟؟

ازدادت في الآونة الأخيرة جرائم قتل النساء في عدة دول عربية، ومنها الجريمتين الأخيرتين بحق طالبتين جامعيتين في مصر والأردن، الأولى قتلت ذبحًا والثانية بالرصاص، بالإضافة إلى جريمة أخرى هزت الرأي العام المصري، وهي قتل المذيعة شيماء جمال على يد زوجها القاضي الذي تم القبض عليه.

وأجمع خبراء في القانون وعلم النفس على أن هناك حاجة ملحة لتضافر جهود الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني  لمكافحة هذه الظاهرة، وسط تأكيد على دور الدولة والعائلة والفرد في هذا الشأن.

ومن الجانب القانوني، قالت المحامية والناشطة الحقوقية ليلى الحداد، إن “العديد من الدول العربية أقرت بعض القوانين المتعلقة بحماية المرأة من العنف الأسري أو الزوجي أو العنف بشكل عام”، ولكنها لم تخف أن هناك عقبات تحول دون تطبيقها.

غياب التشريعات و صعوبة تطبيقها

وأضافت الحداد في حديثها لموقع الحرة أن “هناك صعوبة في تنفيذ التشريعات والقوانين وتطبيقها على أرض الواقع في بعض الدول العربية بسبب وجود عراقيل تمنع ذلك”.

وأوضحت أن هذه العراقيل تتمثل في “العرف والمزاج السائد في هذه الدول، والمتمثل في الإحراج من أن تشتكي المعنفة سواء من والديها أو زوجها”، وتلمح إلى وجود “عادات وتقاليد في بعض المجتمعات تمنع المرأة من تقديم الشكوى ضد المعنّف”، بالإضافة إلى أن إجراءات التقاضي مكلفة عادة ولا تستطيع المرأة أحيانا تحملها.

ولكن المحامية عزة سليمان، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة قضايا المرأة المصرية، تحدثت أيضًا عن غياب للتشريعات المتعلقة بمكافحة العنف ضد المرأة في دول أخرى.

وأضافت في حديثها لموقع “الحرة” أن هناك حاجة إلى قوانين رادعة، وأشارت إلى وجود “حاجة أيضًا إلى معرفة كيفية تطبيق” مثل تلك التشريعات في حال إقرارها مستقبلا.

وأشارت إلى أن هناك نوع من “الاستباحة والتطبيع المجتمعي مع حوادث العنف ضد النساء”، وذلك بسبب غياب التشريعات الرادعة، التي أصبح هناك حاجة ماسة لها. 

ضعف الإحصاءات

ولا تزال الجرائم التي تستهدف النساء ظاهرة لا تحظى بالاهتمام في معظم البلدان، وذلك لعدم وجود إحصائيات معتمدة. وفي بداية مارس الماضي، تبنت الأمم المتحدة توصيات لاعتماد إحصاءات هذه الجرائم التي تستهدف النساء بشكل خاص.

ولفت مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة ، إلى أن معطياته محدودة بهذا الشأن. ففي الدول التي تحاول قياس جرائم قتل النساء، قد تختلف المؤشرات والمتغيرات المستخدمة بشكل كبير. وعلاوة على ذلك، تقدم بعض الدول بيانات غير وافية، والكثير من البلدان لا تقدم حتى أي إحصائيات.

وأشارت الحداد إلى أن نسب الجرائم المرتبطة بالعنف ضد المرأة والتي تنشرها منظمات حقوقية في الدول العربية، “تكون في العادة بعيدة عن الواقع”، لأن العديد من النساء اللواتي تعرضن للعنف لا يشتكين لأسباب عائلية أو لخشيتهن من الانتقام.

وفي دراسة مسحية أجراها “المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية” حول العنف ضد المرأة، تم رصد 211 حالة عنف موجه ضد النساء في عام 2020، حيث احتل القتل والشروع في القتل مقدمة القائمة بعدد 173 حالة، يليها الجرائم الجنسية مثل الاغتصاب والتحرش والابتزاز بعدد 38 حالة.

وفي تقرير شهري نشرته جمعية “كفى” في لبنان بشهر أيار2020، تم تسجيل 6 جرائم قتل نساء خلال شهر أبريل من العام نفسه.

عراقيل في القضاء

وعن إجراءات التقاضي، تلفت الحداد إلى “العراقيل في النظم القضائية” في بعض الدول العربية حيث يصعب إمكانية تطبيق التشريعات والقوانين بالفعل، ويتمثل ذلك في “طول إجراءات التقاضي”، بالإضافة إلى “أتعاب التقاضي التي عادة ما تكون الضحية غير قادرة على تحملها”، ويتمثل ذلك في مصاريف الدعوى بالمحكمة وأتعاب المحامي.

وأكدت أن “هذه العراقيل تشكل سدا منيعا” أمام تطبيق التشريعات التي أقرتها بعض الدول لمكافحة العنف ضد المرأة، وهو ما “تتباهى به هذه الدول أمام المنظمات الدولية التي تطالب الحكومات بتمكين المرأة من الولوج إلى أنظمة العدالة كمتضررة وكضحية أمام المعتدي”.

وشددت الناشطة الحقوقية على ضرورة “تبسيط هذه الإجراءات” في الدول العربية أمام الضحية لتمكينها من التغلب على العراقيل وتحقيق العدالة، وتخفيض التكاليف المادية المتوجب دفعها في مثل هذه الحالات.

وأشارت إلى أنه عادة ما تكون المراكز الأمنية المتخصصة باستقبال شكاوى النساء عن حالات الاعتداء والعنف موجودة داخل المدن فقط عموما، ولا تكون موجودة في القرى والمناطق الريفية، لافتة إلى ضرورة تكثيف الحملات والبرامج التوعوية لمكافحة هذه الظاهرة بتلك المناطق المهمشة، و”الترويج لثقافة السلم داخل الأسر والمجتمعات لتقليل ظاهرة العنف”.

وبالعودة إلى جريمة قتل نيرة أشرف، طالبة جامعة المنصورة في مصر، وفي جلسة المحاكمة الثانية، الثلاثاء، قضت محكمة الجنايات بإحالة أوراق المتهم بقتلها، وهو زميلها في الجامعة، للمفتي لأخذ الرأي الشرعي في إعدامه بتهمة القتل العمد، فيما حددت جلسة بتاريخ 6 يوليو الحالي للنطق بالحكم.

ولفتت سليمان إلى أن الضحية نيرة أشرف كانت قد تقدمت هي وأهلها بعدة بلاغات وشكاوى ضد القاتل للشرطة دون استجابة تذكر، وهو ما أكدته التحقيقات، حيث أن المتهم محمد عادل “أقر أنه كان يتواصل من حسابه مع أهلها ومعارفها، مشيرا الى أنها أبلغته بتقدمها بشكاية للأمن ضده “.

وأشارت المحامية المصرية إلى أن هناك تقصير في تعامل الشرطة وأجهزة الأمن مع البلاغات المقدمة من قبل نساء معنفات في أكثر من دولة عربية، وقالت إن “هناك مشكلة حقيقية عندما لا تتعامل الشرطة أحيانا مع مثل هذه البلاغات”.

وتابعت سليمان أن “البلاغات التي تقدم من بعض النساء ضد أزواجهن تحديدا لا يتم التعامل معها، على اعتبار أنها حالة خاصة”، بمعنى أنها مشاكل عائلية.

وأكدت على ضرورة بذل المزيد من الجهد لـ”تدريب وإعداد وتأهيل كل المتعاملين مع مثل هذه القضايا الحساسة، ويشمل ذلك العساكر والضباط ووكلاء النيابة والقضاة”، لأن هناك حاجة إلى تطبيق التشريعات في الواقع.

وبعيدا عن الجانب القانوني والتشريعي، تتحدث المتخصصة في علم النفس، د. ريما بجاني عن أهمية وجود دورات تثقيفية وتعليمية وتدريبية، تشمل الأفراد والأهل والمجتمع، لمكافحة هذه الظاهرة.

وقالت بجاني في حديثها لموقع “الحرة” إن العنف قد ينتج عن “تربية أو ثقافة أو أفكار موروثة معينة”، بمعنى أن هناك بيئة تؤثر على تصرفات الفرد، مضيفة أن “مشكلة العنف ضد المرأة هي مشكلة قديمة وتتفاقم باستمرار”، ولفتت إلى أن “الثقافة والتربية” و”التفرقة” بين الأطفال بحسب الجنس تؤثر على ذلك.

ولم تغفل الأخصائية الجانب النفسي في بعض الحالات، فتشير إلى أن “هناك أشخاص يغلب العنف على طبعهم وهؤلاء يعتبرون مرضى نفسيين، ويجب التعامل معهم كمرضى بحاجة إلى جلسات علاج.

وفي إطار الجرائم المرتكبة بحق النساء مؤخرا، وبعد أيام على ذبح الطالبة نيرة أشرف في مصر، أقدم شاب أردني، الأسبوع الفائت، على قتل الطالبة إيمان إرشيد بإطلاق النار عليها داخل جامعة خاصة قرب العاصمة عمّان.

ونشرت “جمعية تضامن” الأردنية العام الماضي تقريرا يؤكد أن “14 امرأة وفتاة كن ضحايا جرائم قتل أسرية منذ بداية 2021 من بينها جرائم بذريعة الشرف.

ولفتت الجمعية في إحصائها إلى أن 22 امرأة كن ضحايا جرائم القتل العمد والقصد عام 2020 من بينها 18 جريمة قتل أسرية.

الاعتراف بالتعرض للعنف

وتقول بجاني، عن ضحايا العنف من النساء، إن “شخصية الفرد هي الأساس” بمعنى أن “الإنسان يجب أن يعترف بأنه يتعرض للعنف، وأن يكون قادرا على وضع حد لذلك على الأقل ذهنيا”.

وشرحت أن “بعض النساء يتعرضن للعنف، ويصمتن على ذلك”، بمعنى أنهن لا يبلغن ولا يفصحن عنه، لأنهن يتعرضن لنوع من “السيطرة النفسية” من قبل المعنّف، أي ربما يتعرضن للتهديد أو الابتزاز مثلا في حال أفصحن عن الأمر.

وتابعت أنه كجزء من التوعية “يجب على المعنفات عدم القبول بمثل هذا النوع من المعاملة، وطلب المساعدة والحماية” عبر التبليغ عن تعرضهن للعنف، مشددة على أن جميع العاملين في مجال علم النفس من “أطباء ومعالجين ومحللين” يجب عليهم أن يقوموا “بدورات تثقيفية وتوعوية من خلال الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني” لمكافحة هذه الظاهرة.

وفيما يتعلق بدور التربية، وجهت الأخصائية النفسية رسالة إلى الأهل، وقالت إن “كيفية تربية الأطفال هي أمر أساسي” وينعكس ذلك على تصرفاتهم مع الأهل والأقارب والأصدقاء ومحيطهم الاجتماعي.

وأضافت أن التربية الجيدة ترتقي بالمجتمع نحو الأفضل مع وجود “الأخلاقيات” الضرورية لبناء مجتمع متماسك وخال من هذه الآفات، مع التركيز على “احترام الآخر، واحترام اختلاف الآراء”، ولفتت إلى ضرورة تعزيز مناهج التعليم وإدراج مادة تتعلق بـ”التوعية والتربية النفسية” لتعزيز احترام الأطفال لأنفسهم ولغيرهم.

/ الحرة – أحمد عقل /

اترك رد إلغاء الرد