التنسيق “الأعلى” بين إسرائيل وأميركا.. لمواجهة “حزب الله”

تحاول إسرائيل ترهيب “حزب الله” خصوصاً، والمحور الإيراني عامة، بأكثر من وسيلة، بدءاً من النشر الإعلامي المستمر عن قدرات إسرائيل الإستخباراتية التي تكشف وتُحبط مخططاتهما وأنشطتهما أولاً بأول، مروراً بتهديد لبنان والحزب بحرب قوية ودقيقة، ثم طرح قضية التطبيع المتصاعدة مع الدول العربية كدلالة على عزلة متزايدة لمحور المقاومة، وحديثاً بالترويج لتنسيق متطور بين إسرائيل والولايات المتحدة لمجابهة “خطر الجبهة الشمالية”. 

وتزامن تهديد وزير الجيش الإسرائيلي بيني غانتس للبنان و”حزب الله”، قبل يومين، بهجوم غير مسبوق وقوي ودقيق، ما سيدفعهما “ثمناً باهظاً”، مع تدريبات إسرائيلية مُكثفة وحراك غير مسبوق في المنطقة، عنوانها “مخاطر الجبهة الشمالية”.

ففي الشهر الماضي، أجرى الجيش الإسرائيلي تدريبات عسكرية كبيرة في قبرص لمحاكاة هجوم بري في عمق لبنان في نطاق حرب محتملة ضد حزب الله. وقبل ذلك، أجرت قيادة الجبهة الإسرائيلي الداخلية تدريباً يحاكي قصف العمق الإسرائيلي بـ1500 صاروخ في اليوم الواحد، ينجم عنه إلحاق أضرار مادية جسيمة بـ80 موقعاً وسقوط نحو 300 قتيل خلال اشتباكات مع حزب الله تستمر عدة أيام. وهنا تحاول الدعاية الإسرائيلية أن تعقد مفارقة بين “الثمن المؤلم إسرائيلياً” وبين “الثمن الباهظ لبنانياً”، جراء أي مواجهة مقبلة.

وتأتي تهديدات إسرائيل المتصاعدة للبنان، تحت بند أن الأخير يمثل جبهة متقدمة لإيران، وذلك في وقت تستعر فيه الحرب الأمنية بين الدولة العبرية والجمهورية الإسلامية، وسط مزاعم إسرائيلية عن إحباط محاولات إيرانية لإستهداف إسرائيليين في تركيا، في الشهرين الأخيرين.

وبموازاة “الوعيد” الإسرائيلي، تُروّج معالجات الصحافة العبرية لمبادرة تُسمى “الدفاع الجوي في الشرق الأوسط”، بهندسة أميركية-إسرائيلية، حيث قال وزير الجيش الإسرائيلي بني غانتس، خلال مشاركته في اجتماع لجنة الخارجية والأمن في الكنيست الاثنين الماضي، إن المبادرة تركز على التعاون بين القيادة المركزية العسكرية الأميركية ودول المنطقة ضد ضربات الطائرات المُسيّرة، وصواريخ كروز وأخرى متطورة، وحزب الله وجماعات أخرى مدعومة من إيران.

وبحسب صحيفة “معاريف”، يعتقد البيت الأبيض أن تكامل أنظمة الدفاع الصاروخي هو بمثابة مسألة استراتيجية بعيدة المدى في هذه المرحلة، لكنها نوهت بأنه لا نية للإعلان عنها خلال زيارة بايدن المرتقبة إلى المنطقة منتصف الشهر المقبل، لكن الرئيس الأميركي سيعطي، أثناء زيارته، دفعة لهذه المبادرة.

اللافت، أن جوهر المعالجات والتهديدات الإسرائيلية للبنان وحزب الله، وحتى إيران، قائمة على تغير واضح في الإستراتيجية الإعلامية للأمن الإسرائيلي، فلم يعد يتحدث بعنتريته المعهودة على مدار عقود، والقائلة إن “تل أبيب وحدها القادرة على حسم مواجهة أعدائها”، بل تحول خطابها، تدريجياً، إلى المُفاخرة “بأن إسرائيل لم تعد وحدها، وأن حلفها باقٍ ويتمدد”، وهذه دلالة على حاجة إسرائيل للآخرين في معركة وجودها، أكثر مما سبق، على الأقل لوجستياً ونفسياً.

ومما يعزز التغير المتسارع سالف الذكر، هو ما ذهبت إليه صحيفة “هآرتس”، من مواكبة لصولات وجولات القادة العسكريين الأميركيين، الذين زاروا إسرائيل، في غضون شهرين، أكثر من مرة، وبوتيرة مختلفة عن السابق، من حيث العدد ومستوى الرتب. وذلك كله، فقط، لبحث خطوات عملية لتعزيز أمن المنطقة، ومواجهة الجبهة الشمالية، والتي تعتبر ساحة إيرانية متقدمة، لملامستها حدود الدولة العبرية، وكأنها جهود أميركية-إسرائيلية- إقليمية لإستباق تغيرات كبيرة ستشهدها منطقة الشرق الأوسط في المرحلة القادمة.

ولم يقتصر مجيء المسؤولين العسكريين الأميركيين على بحث هذه الخطوات، بل سلط الإعلام الإسرائيلي الضوء، أيضاً، في الأيام الأخيرة، على التدريب المشترك الهادف إلى فحص جهوزية تل أبيب وواشنطن لمواجهة تحديات أمنية، على رأسها تصعيد في الجبهة الشمالية. كما جرى بحث السيناريوهات في اجتماع ضباط رفيعي المستوى في القيادة المركزية للجيش الأمريكي وكبار ضباط الجيش الإسرائيلي.

لكن “هآرتس” نوهت بأن تنسيق الأميركيين والإسرائيليين انصب على خطة للتعاون في مجال الدفاع الجوي، والاستخبارات، والمساعدة اللوجستية، إلا أنه، في المقابل، لم يَجر بحث احتمالات تدخل أميركي فاعل في هجمات إسرائيلية ضد حزب الله في لبنان. بيدَ أن الصحيفة عادت لتبرز قواسم مشتركة مع الولايات المتحدة التي تعتبر حزب الله “تنظيماً إرهابياً”، ولها دور فاعل في حرب إسرائيل ضده.

وهنا، يبرز التباهي الإسرائيلي بتوطيد العلاقات بين الجيشين الأميركي والإسرائيلي، على نحو كبير، منذ أيلول/سبتمبر الماضي، وهو التوقيت الذي انتقلت فيه مسؤولية العلاقة العسكرية مع إسرائيل من القيادة العسكرية للجيش الأميركي في أوروبا إلى القيادة المركزية في المنطقة. وتبرر الصحافة العبرية تعزيز التنسيق والتعاون بين الطرفين، كون ساحات النشاط الأميركي في الشرق الأوسط قريبة جغرافياً من دولة الإحتلال.

وما يدلل على وجود متغير في آلية التعاون الأميركي-الإسرائيلي في المنطقة، خصوصاً في ما يتعلق بالجبهة الشمالية مع لبنان وسوريا، هو أن التدريب المشترك الذي جرى أخيراً داخل أراضي-48، هو الأول من نوعه؛ إذ لم يسبق أن تدرب الجيش الإسرائيلي في السنوات الأخيرة على خطة مشابهة مع القيادة العسكرية للجيش الأميركي في أوروبا، بل كان التركيز منصبّاً على التنسيق في المنظومات الدفاعية فقط. والسيناريو المركزي الذي جرى بحثه، هذا الأسبوع، أنه عالج التصعيد في الشمال والتداعيات الإقليمية، وبينها تدخل إيراني إلى جانب حزب الله في لبنان، وقدم كل طرف وجهة نظره من الأحداث المحتملة، والمعضلات التي ستواجهها إسرائيل. 

بدوره، تحدث المتخصص في الشأن الإسرائيلي، نظير مجلي، لـ”المدن”، عن جملة من الأسباب لإرتقاء التنسيق الأمني بين إسرائيل والولايات المتحدة لدرجات أعلى؛ إذ تمثل السبب الأول، بالكيمياء الجامعة بين وزيري الجيش الإسرائيلي بيني غانتس، والدفاع الأميركي لويد استون، خصوصاً أنهما عملا سوية حينما كان غانتس رئيساً لأركان الجيش، واستون مسؤولاً عن القيادة المركزية للجيش الأميركي في المنطقة. أما السبب الثاني، فهو أن إسرائيل تعمل في ساحات للقيادة المركزية الأميركية، وهو ما يستدعي تنسيقاً متزايداً. 

ويكمن دافع ثالث، في تطور العلاقة بين الإدارة الأميركية وإسرائيل، في عهد حكومة نفتالي بينيت، وأن واشنطن أرادت مكافأة تل ابيب، بتعزيز التعاون الأمني معها. ويتجلى السبب الرابع في اقتراب الموقف الأميركي من وجهة النظر الإسرائيلية حيال الملف الإيراني، والقائمة على التصعيد مع طهران، علاوة على اقتراب الموقف الإسرائيلي من ذلك الأميركي في الموضوع السوري.

/المركزية/

اترك رد إلغاء الرد